وقوله تعالى: {وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ} . أبو عبيد عن الكسائي وأبي عبيدة: وفيت بالعهد وأوفيت به سواء.
وقال شمر: يقال: وَفَى وأَوفْى، فمن قال: (وَفَى) فإنه يقول تَمَّ، كقولك: وَفَى لنا فلان، أي: تَمَّ لنا قوله ولم يغدر، وَوَفَى هذا الطعامُ قفيزا أي: تم.
قال: ومن قال: (أَوْفَى) فمعناه: أوفاني حقه، أي: أتمه ولم ينقص منه شيئا، وكذلك أَوْفَى الكيل أي أتمه ولم ينقص منه شيئا. وقال أبو الهيثم فيما رد على شمر: الذي قال شمر في (وَفَى) و (أَوْفَى) : باطل، إنما يقال: أَوْفَيْت بالعهد ووفيت بالعهد، وكل شيء في كتاب الله من هذا
فهو بالألف قال الله تعالى: {وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ} [البقرة: 40] وقال: {أَوْفُوا بِالْعُقُودِ} [المائدة: 1] .
وقال الشاعر في الجمع بين اللغتين:
أَمَّا ابنُ طَوْقٍ فَقَدْ أَوْفَى بِذِمَّتِه ... كَمَا وَفَى بِقِلاَصِ النَّجْمِ حَادِيهَا
قال ابن عباس: هذا العهد هو أن الله عز وجل عهد إليهم في التوراة أنه باعث نبيا يقال له: محمد، فمن تبعه كان له أجران اثنان، أجر باتباعه موسى وإيمانه بالتوراة، وأجر باتباعه محمدًا وإيمانه بالقرآن، ومن كفر به تكاملت أوزاره، وكانت النار جزاءه، فقال الله جل وعز: أوفوا بعهدي في محمد، أوف بعهدكم وأدخلكم الجنة.
وقوله تعالى: {وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ} . موضع (إياي) نصب بإضمار فعل تفسيره المذكور بعده كأنه قيل: (إياي فارهبوا فارهبون) ولكنه يستغني عنه بما يفسره فلا يظهر، وإن صح أنه مقدر، ولا يجوز أن يعمل فيه المذكور، لأنه مشغول بضمير.
وحذفت (الياء) من {فَارْهَبُونِ} لأنها فاصلة أي رأس آية، ليكون النظم على لفظ متسق، وسمى أهل اللغة أواخر الآي الفواصل، وأواخِر الأبيات القوافي. ومعناه: فخافوني في نقض العهد.