{واستكبر} : تكبر وتعاظم فِي نفسه وقدم الإباء على الاستكبار ، وإن كان الاستكبار هو الأول ، لأنه من أفعال القلوب وهو التعاظم ، وينشأ عنه الإباء من السجود اعتباراً بما ظهر عنه أولاً ، وهو الامتناع من السجود ، ولأن المأمور به هو السجود ، فلما استثنى إبليس كان محكوماً عليه بأنه ترك السجود ، أو بأنه مسكوت عنه غير محكوم عليه على الاختلاف الذي نذكره قريباً إن شاء الله.
والمقصود: الإخبار عنه بأنه خالف حاله حال الملائكة.
فناسب أن يبدأ أولاً بتأكيد ما حكم به عليه فِي الاستثناء ، أو بإنشاء الإخبار عنه بالمخالفة ، والذي يؤدي هذا المعنى هو الإباء من السجود.
والخلاف الذي أشرنا إليه هو أنك إذا قلت: قام القوم إلا زيداً ، فمذهب الكسائي أن التخريج من الاسم ، وأن زيداً غير محكوم عليه أم ولا غيره ، فيحتمل أن يكون قد قام ، وأن يكون غير قائم.
ومذهب الفراء أن الاستثناء من القول ، والصحيح مذهبنا ، وهو أن الاسم مستثنى من الاسم وأن الفعل مستثنى من الفعل.
ودلائل هذه المذاهب مذكورة فِي كتب النحو ، ومفعول أبي محذوف لأنه يتعدى بنفسه إلى مفعول واحد ، قال الشاعر:
أبى الضيم والنعمان يحرق نابه ...
عليه فأفضى والسيوف معاقله
والتقدير: أبى السجود ، وأبى من الأفعال الواجبة التي معناها النفي ، ولهذا يفرغ ما بعد إلا كما يفرغ لفعل المنفي ، قال تعالى: {ويأبى الله إلا أن يتم نوره} ولا يجوز: ضربت إلا زيداً على أن يكون استثناء مفرغاً لأن إلا لا تدخل فِي الواجب ، وقال الشاعر:
أبى الله إلا عدله ووفاءه ...
فلا النكر معروف ولا العرف ضائع