وإنما قيل لهم: {وَلَا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ} لأن الخطاب لعلماء اليهود، فإذا كفروا كفر معهم الأتباع.
فإن قيل: ما في (أن تكونوا أول كافر به) من العظم، على ثان كافر؟ قيل: إنهم إذا كانوا أئمة في الضلالة كانت ضلالتهم أعظم.
قال الزجاج: اللغة القُدمى فتح الكاف من (كافر) والإمالة في الكاف - أيضا - جيد، لأن (فاعلاً) إذا سلم من حروف الإطباق، والحروف المستعلية كانت الإمالة فيه سائغة إلا في لغة أهل الحجاز، والإمالة لغة تميم، وحروف الإطباق (الطاء والظاء والصاد الضاد) فلا تجوز الإمالة في ظالم وطالب وضابط وصابر، وحروف الاستعلاء(الخاء،
والغين، والقاف)لأنها من أعلى الحنك واللهاة، فلا تجوز الإمالة في: غافل وخادم وقاهر.
وقوله تعالى: {وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ} . أي: ببيان صفة محمد - صلى الله عليه وسلم - ونعته عرضاً يسيراً من الدنيا، وذلك أن رؤساء اليهود كانت لهم مآكل يصيبونها من سفلتهم وعوامهم، فخافوا إن هم بينوا صفة محمد - صلى الله عليه وسلم - ، وتابعوه أن تفوتهم تلك المآكل والرئاسة، فاختاروا الدنيا على الآخرة.
قال أبو علي: المعنى (ذا ثمن) فهو من باب حذف المضاف، لأنه إنما يشتري ما هو ذو ثمن لا الثمن. ويجوز أن يكون معنى الاشتراء الاستبدال، فيكون المعنى: ولا تستبدلوا بآياتي ثمنا قليلا فيستغنى عن تقدير المضاف.
و (القليل) نقيض الكثير، قَلَّ الشيء يَقِلُّ قِلَّة.
{وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ} فاخشون في أمر محمد، لا ما يفوتكم من الرئاسة.
42 -قوله تعالى: {وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ} الآية. يقال: لَبَسْتُ الأمر أَلْبِسُه لَبْساً، إذا خلطته وشبهته.
وقال ابن دريد: لَبَسْتُ الأمر ولَبَّستُه، إذا عميتُه، ومنه {وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ} [الأنعام: 9] ، ويقال: في أمره لُبْسَة أي ليس بواضح.