ويفيد مع ذلك أمرهم بتفكر النعم التي أنعم بها عليهم لينصرفوا بذلك عن حسد غيرهم فإن تذكير الحسود بما عنده من النعم عظة له وصرف له عن الحسد الناشئ عن الاشتغال بنعم الغير وهذا تعريض بهم أنهم حاسدون للعرب فيما أوتوا من الكتاب والحكمة ببعثة محمد صلى الله عليه وسلم وانتقال النبوة من بني إسرائيل إلى العرب وإنما ذكروا بذلك لأن للنفس غفلة عما هو قائم بها وإنما تشتغل بأحوال غيرها لأن الحس هو أصل المعلومات فإذا رأى الحاسد نعم الغير نسي أنه أيضاً فِي نعمة فإذا أريد صرفه عن الحسد ذكر بنعمه حتى يخف حسده فإن حسدهم هو الذي حال دون تصديقهم به فيكون وزانه وزان قوله تعالى: {أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله} [النساء: 54] ، وتقديمه على قوله: {وأوفوا بعهدي} من باب تقديم التخلية بالمعجمة على التحلية بالمهملة ويكون افتتاح خطابهم بهذا التذكير تهيئة لنفوسهم إلى تلقي الخطاب بسلامة طوية وإنصاف.
وقوله تعالى: {وأوفوا بعهدي} هو فعل مهموز من (وفى) المجرد وأصل معنى وفى أتم الأمر تقول وفيته حقه ، ولما كان المجرد متعدياً للمفعول ولم يكن فِي المهموز زيادة تعدية للتساوي بين قولك وفيته حقه وأوفيته حقه تعينت الزيادة لمجرد المبالغة فِي التوفية مثل بان وأبان وشغل وأشغل وأما وفّى بالتضعيف فهو أبلغ من أوفى لأن فعل وإن شارك أفعل فِي معانيه إلا أنه لما كان دالاً على التقضي شيئاً بعد شيء كان أدل على المبالغة لأن شأن الأمر الذي يفعل مدرجاً أن يكون أتقن.
وقد أطلق الوفاء على تحقيق الوعد والعهد إطلاقاً شائعاً صيره حقيقة.
والعهد تقدم معناه عند قوله تعالى: {الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه} [البقرة: 27] فِي هذه السورة.