العشرون: قال صلى الله عليه وسلم حكاية عن الرب تعالى"إذا ذكرني عبدي فِي ملأ ذكرته فِي ملأ خير من ملائه"وهذا يدل على أن الملأ الأعلى أشرف . ورد بعد قبول خبر الواحد أنه لا يلزم منه إلا أن الملأ الأعلى خير من ملأ عوام البشر ، ولا يلزم من ذلك كونهم أفضل من الأنبياء .
واعلم أن الفلاسفة اتفقوا على أن الأرواح السماوية المسماة بالملائكة عندهم أفضل من الأرواح الناطقة البشرية لوجوه:
الأول: الملائكة ذواتها بسيطة مبرأة عن الكثرة ، والبشر مركب من النفس والبدن ، ولكل منهما قوى وأجزاء ، والبسيط خير من المركب ، لأن أسباب العدم للمركب أكثر منها للبسيط . وعورض بأن المستجمع للروحاني والجسماني ينبغي أن يكون أفضل مما له طرف الروحاني فقط ، ولهذا جعل أبو البشر مسجوداً للملائكة ، وبأن الملائكة ليس لها إلا الاستغراق فِي مقاماتها النورية . والنفوس البشرية قواها وافية بكلا الطرفين ، ومحيطة بضبط أحوال العالمين فتكون أفضل .
الثاني: الجواهر الروحانية بريئة عن الشهوة والغضب المستلزمين للفساد وسفك الدماء بخلاف البشر . ورد بأن الخدمة مع كثرة العلائق أدل على الإخلاص . وأيضاً من البين أن درجتهم حين قالوا {لا علم لنا إلا ما علمتنا} أعلى منها حين قالوا {أتجعل فيها من يفسد فيها} [البقرة: 30] وما ذاك إلا بسبب الانكسار الحاصل من الزلة ، وهذا فِي البشر أكثر ، ولهذا قال صلى الله عليه وسلم حاكياً عن ربه
"أنين المذنبين أحب إليّ من زجل المسبحين".