الثالث: أنها بريئة من طبيعة القوة فإن كل ما كان ممكناً لها بحسب أنواعها المنحصرة فِي أشخاصها فقد خرج إلى الفعل والأنبياء ليسوا كذلك ، ولهذا قال صلى الله عليه وسلم"وإني لأستغفر الله فِي اليوم والليلة مائة مرة"ولا خفاء أن ما بالفعل التام أشرف مما بالقوة . ورد بأن بعض الأمور فيها لعلها بالقوة ، ولهذا قيل: إن تحريكاتها للأفلاك لأجل استخراج التعلقات من القوة إلى الفعل كالتحريكات العارضة لأرواحنا الحاملة لقوى الفكر والتخيل ، إلا أن هذا المنع لا يجري فِي الملائكة المقربين المسماة عندهم بالعقول المجردة ، وإنما يجري فِي النفوس الفلكية .
الرابع: الروحانيات أبدية الوجود مبرأة عن التغير والفناء ، والنفوس الناطقة البشرية ليست كذلك . ورد بأنه لا قديم فِي الوجود إلا الله . ولئن سلم أنها ممكنة الوجود لذاتها فهي واجبة الوجود بمباديها . وعورض بما عليه كثير من المحققين أن النفوس البشرية أيضاً أزلية بمباديها وكانت كالظلال تحت العرش يسبحون بحمد ربهم ، إلا أن المبدئ الأول أمرها بالنزول إلى عالم الأجساد وشبكات المواد ، فلما تعلقت بهذه الأجسام عشقتها واستحكم إلفها بها ، فبعث من تلك الظلال أشرفها وأكملها لتخليص تلك الأرواح عن تلك الشبكات ، وهذا هو المراد من باب الحمامة المطوقة المذكورة فِي كتاب كليلة ودمنة .
الخامس: الروحانيات نورانية علوية لطيفة ، والجسمانيات ظلمانية سفلية كثيفة . فأين أحدهما من الآخر؟ ورد بأن الشرف عندنا ليس بالمادة وإنما هو بالانقياد لرب العالمين .