وقرأ الجمهور: {إِنَّهُ} بكسر الهمزة، وقرأ نوفل بن أبي عقرب {أنه} بفتح الهمزة، ووجهه: أنه فتح على التعليل، والتقدير: لأنه، فالمفتوحة مع ما بعدها فضله، إذ هي في تقدير مفرد ثابت واقع مفروغ من ثبوته، لا يمكن فيه نزاع منازع، وأما الكسر، فهي جملة ثابتة تامة، أخرجت مخرج الإخبار المتقبل الثابت.
وروي عن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: بكى آدم وحواء على ما فاتهما من نعيم الجنة مائتي سنة، ولم يأكلا، ولم يشربا أربعين يوما، ولم يقرب آدم حواء مائة سنة، وقال شهر بن حوشب: بلغني أن آدم لما هبط إلى الأرض،
مكث ثلاثمائة سنة لا يرفع رأسه حياء من الله. وروي أن الله تعالى: تاب على آدم في يوم عاشوراء.
قالوا: لو أن دموع أهل الأرض جمع، لكانت دموع داود أكثر حيث أصاب الخطيئة، ولو أن دموع داود، ودموع أهل الأرض جمع، لكانت دموع آدم أكثر حيث أخرجه الله من الجنة، فإذا كان حال من اقترف خطيئة دون صغيرة هذا، فكيف حال من انغمس في بحر العصيان، والتوبة بمنزلة الصابون، فكما أن الصابون يزيل الأوساخ الظاهرة، فكذا التوبة تزيل الأوساخ الباطنة، والعبد إذا رجع عن السيئة وأصلح عمله، أصلح الله شأنه وأعاد عليه نعمته الفائتة.
قلت: وما أوردوه في قصة هبوط آدم وحواء من الجنة، وما يتعلق به، قد نقلوا أكثره من الإسرائيليات التي لا يصح شيء منها عند النّقدة من أهل العلم، ورجال الدين.
فَإِنْ قُلْتَ: كيف يصح عصيان آدم ثم توبته، مع أن الأنبياء معصومون؟
قلت: أجيب عنه بثلاثة أجوبة:
1 -أن المخالفة التي صدرت منه كانت قبل النبوة، والعصمة إنما تكون عن مخالفة الأوامر بعدها.
2 -أن الذي وقع منه كان نسيانا؛ فسمي عصيانا تعظيما لأمره، والنسيان والسهو لا ينافيان العصمة.