أحدهما: أنه إنما يتوصل إلى فداء أهل الأرض إذا كان له عليهم ملك وكانوا بأجمعهم له، وإذا كانوا جميعا له ملكا؛ كانت شفقته على ملكه وأولاده واحدة أو أكثر، فكما يضن ببذل أولاده، وأن يكونوا عنه فداء، فكذلك يضن بالأباعد إذا كانوا جميعا ملكا له؛ فلذلك استقام أن يبدأ بذكر الأقربين قبل الأبعدين، إذ كل ذلك يستوي في التهويل والتفزيع، واللَّه أعلم.
وجائز أن يكون ذكر الأقربين وذكر أهل الأرض ليس على جهة الأولى، ولكنه ذكر الآحاد أولا، ثم ذكر الجماعة ثم ذكر جماعة الجماعة؛ ليعلموا ألا ينفعهم الفداء في ذلك اليوم، وأن الذين ودوا الفداء؛ ليتخلصوا من عذاب اللَّه تعالى لا يشتد عليهم ما فدوا، وإن كان ذلك ملء الأرض، واللَّه أعلم.
وقوله - عزَّ وجلَّ -: (ثُمَّ يُنْجِيهِ) رد وتنبيه ألا ينجيه ذلك اليوم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (كَلَّا إِنَّهَا لَظَى(15) نَزَّاعَةً لِلشَّوَى (16) . الآية، فاللظى: اسم من أسماء النار، والشوى: قيل: هي مكارم خلقه.
وقيل: هي القوائم والأطراف.
وقيل: هي الجلود.
والأصل أن نار جهنم تعمل على أصحابها كل قبيح وكل مستشنع مستفظع، فإن شئت صرفت ذلك إلى الأرجل، وإن شئت إلى الجلود، وإن شئت إلى مكارم خلقه الأخلاق؛ لأن التقبيح في كل ذلك موجود، وهو كقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ) ، فقيل في تأويل المطهرة وجوه.
إحداها: أنهن مطهرات من العيوب والآفات، وجملته: أنه ما من شيء يستحسن ويستقبح من خلق أو نفس أو معاملة إلا وهن مطهرات من ذلك، وما من شيء يستشنع ويستفظع إلا وذلك في أهل النار موجود.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (تَدْعُو مَنْ أَدْبَرَ وَتَوَلَّى(17)
فجائز أن يكون الدعاء منها على التحقيق، وهو أن يجعل اللَّه تعالى لها باللطف لسانا تدعو به، أو يخلق فيها الكلام من غير لسان، فتقول: إليَّ، إليَّ.