ففي هذا الحديث ما يبين عظم خلق رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وأنه مع شدة عداء أعدائه، ومع أنهم حاربوه وقتلوا من أصحابه من قتلوا إلا أنه -عليه الصلاة والسلام- عفا عنهم، وقبل منهم الفداء -فصلوات الله وسلامه- على هذا الرسول الذي لا يدفع السيئة بالسيئة، ولكن يعفو ويصفح.
الإمام أبو الحسن الماوردي في (أدب الدنيا والدين) ، ذكر كلامًا كثيرًا في الفصل الرابع في كتابه في الحلم والغضب، وذكر لنا أسباب الحلم الذي يؤدّي إلى الصفح وإلى العفو، فمما ذكر في ذلك قال: روى سفيان بن عيينة: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- حين نزلت هذه الآية: {خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ} (الأعراف: 199) قال: (( يا جبريل ما هذا؟ قال: لا أدري حتى أسأل العالم، ثم عاد جبريل وقال: يا محمد، إن ربك يأمرك أن تصل من قطعك، وتعطي من حرمك، وتعفو عمن ظلمك ) )، ثم يذكر ما رواه هشام عن الحسن أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (( أيعجز أحدكم أن يكون كأبي ضمضم، كان
إذا خرج من منزله قال: اللهم إني تصدَّقت بعرضي على عبادك )) ، ويروي أيضًا عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: (( إن الله يُحب الحليم الحيي ويبغض الفاحش البذيء ) )، وقال -عليه الصلاة والسلام-: (( من حَلُم ساد، ومن تفهَّم ازداد ) )، ويذكر عن بعض الأدباء قول من غرز شجرة الحلم اجتنى شجرة السلم، وقال بعض البلغاء: ما ذبَّ عن الأعراض كالصفح والإعراض، وذكر عن بعض الشعراء قوله:
أُحبّ مكارم الأخلاق جهدي ... وأكره أن أعيب وأن أعاب
وأصفح عن سباب الناس حلمًا ... وشر الناس من يهوي السباب
ومن هاب الرجال تَهيَّبوه ... ومن حقر الرجال فلن يهاب
ثم يقول: فالحلم من أشرف الأخلاق وأحقها بذوي الألباب لما فيه من سلامة العرض، وراحة الجسد، واجتلاب الحمد، وقد قال علي -رضي الله تعالى عنه-:"أول عوض الحليم عن حلمه أن الناس أنصاره، وحدّ الحلم ضبط النفس عند هيجان الغضب"، وهذا هو ما نذكره من الصفح والحلم.