ولذا قال نبينا صلى الله عليه وسلم"إنه ليغان على قلبي وإني لأستغفر الله فِي اليوم سبعين مرة"فنحن أحق بالاستغفار ، فإن الغين يكاد يكون بالنسبة إلينا ريناً ، وذلك أن الغين شيء يغين أي يغشى القلب ويغطيه بعض التغطية كالغيم الرقيق لا يحجب الشمس ، ولكن يمنع كمال ضوئها . والرين ما استحكم من ذلك حتى صار القلب ممتنعاً بالكلية عن قبول الحق وذلك صفة الكفار {كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون} [المطففين: 14] . قيل فِي تأويل الحديث: إن الله تعالى أطلع نبيه على ما سيكون فِي أمته من الخلاف والشقاق ، وكان إذا ذكر ذلك وجد غيناً فِي قلبه فاستغفر لأمته . قيل: كان ينتقل من حالة إلى حالة أرفع من الأولى فيستغفر مما كان . وقيل: الغين عبارة عن السكر الذي كان يلحقه فِي طريق المحبة حتى يصير فانياً عن نفسه بالكلية ، فإذا عاد إلى الصحو استغفر من ذلك الصحو ، وهذا تأويل أرباب الحقيقة . وقال أهل الظاهر: إن القلب لا ينفك عن الخطرات والشهوات وأنواع الإرادات ، فكان يستعين بالرب تعالى فِي دفع تلك الخواطر . وعن ثابت البناني: بلغنا أن إبليس قال: يا رب ، إنك خلقت آدم وجعلت بيني وبينه عداوة فسلطني عليه . فقال سبحانه: جعلت صدورهم مساكن لك . فقال: رب زدني . فقال: لا يولد ولد لآدم إلا ولد لك عشرة . قال: رب زدني . قال: تجري منه مجرى الدم . قال: رب زدني . قال: اجلب عليهم بخيلك ورجلك وشاركهم فِي الأموال والأولاد . قال: فشكا آدم إلى ربه فقال: يا رب إنك خلقت إبليس وجعلت بيني وبينه عداوة وبغضاء وسلطته علي وأنا لا أطيقه إلا بك . فقال الله تعالى: لا يولد ولد إلا وكلت به ملكين يحفظانه من قرناء السوء . قال: رب زدني . قال: الحسنة بعشر أمثالها . قال: رب زدني . قال: لا أحجب عن أحد من ولدك التوبة ما لم يغرغر ، والغرغرة تردد الروح فِي الحلق . وسئل ذو النون عن التوبة فقال: إنها اسم جامع لمعان ستة: أولها