الرابع: ولا يخفى على الناظر بتمعن ما سببه النظام الرأسمالي من ويلات ونكبات على الشعوب والمجتمعات، حيث نجد دولًا برمتها تنهار اقتصادياتها في أيام معدودة بسبب الجو الملائم لمثل ذلك الذي أوجده هذا النظام، كما يكفي أن نعرف أن أكثر من نصف سكان الأرض - في ظل النظام الرأسمالي - يعيشون تحت خط الفقر، وأن 5% فقط من العالم تعادل ثروتهم ثروة بقية العالم، بل نجد المؤشرات الاقتصادية داخل الدول الرأسمالية نفسها تشير إلى أن كفة الأغنياء في تصاعد مستمر على حساب الفقراء، ومرد ذلك إلى الآلية التي يسير عليها النظام الرأسمالي والتي من شأنها أن تزيد الغني غنىً والفقير فقرا، فكيف يؤمل بعد ذلك أن يعم الرخاء بسيادة هذا النظام في العالم.
الخامس: وقد ظهرت بعض البدائل المتفقة مع االشريعة الإسلامية في العقدين الماضيين في البلدان الغربية نفسها، فظهر ما يعرف ب (صناديق الاستثمار) (Investment funds) وهي في الحقيقة مبنية على نظام المشاركة في الربح والخسارة الذي عرفه الإسلام قبل أكثر من أربعة عشر قرنًا، وقد حققت تلك الصناديق نجاحًا منقطع النظير على حساب نظام الفائدة، مما حدا بكثير من الدول الأوروبية وعلى رأسها ألمانيا إلى أن تجعلها من ضمن الأعمال الأساسية التي تمارسها البنوك التجارية، بعد أن كان مترسخًا في الأذهان لقرون متعددة أن دور المصارف يقتصر على الإقراض بالفوائد، ويكفي أن نعرف أن القيمة السوقية لصناديق الاستثمار في أمريكا وحدها تزيد عن ثلاثة ترليونات دولار، وفي اعتقادي أن صناديق الاستثمار خطوة في الاتجاه الصحيح للتخلص من نظام الفائدة والاعتماد على الاستثمار بنظام الربح المبني على عقد المشاركة.
السادس: وإتمامًا للفائدة أشير إلى مقارنة سريعة بين نظام الربح المبني على المشاركة، ونظام الفائدة المبني على عقد القرض، فقد جاء تحريم الفائدة الربوية وإباحة الربح في الشريعة الإسلامية، لتحقيق مقاصد عظيمة، ومصالح كبيرة تعود بالخير على البشرية جمعاء، دفعًا للظلم عنهم، وتحقيقًا للعدل بينهم، إلا أن الإنسان ذلك الظلوم الجهول بما يعتري فطرته من الانتكاس والغفلة، لا يتوانى عن الخضوع ذليلًا لكل ما يشرعه أهل الأرض بما تحمله تلك التشريعات من ظلم وجور وطغيان.
فالإسلام حين حرم الفائدة فإنما حرمها لما تنطوي عليه من الظلم والفساد بين العباد، وحين أباح الربح فلما فيه من العدل والإصلاح بين الناس، ولنتأمل في بعض الآثار الاقتصادية لكل منهما:
1-فالربح يحقق الأهداف التنموية للبلاد على عكس ما تؤديه الفائدة، ذلك أنه من المعروف أنه فيما عدا بعض القروض التنموية الممنوحة من هيئات متخصصة فإن سوق القروض يعد سوقًا قصير الأجل بمعنى أن المقرضين في الغالب يتحاشون الإقراض طويل الأجل خوفًا من تقلب أسعار الفائدة أو تدني القوة الشرائية للنقود أو التغير في معدلات الصرف.
لذلك يبدو التعارض قائمًا بين أهداف المقرضين وسلوكهم وبين الحاجة للاستثمار طويل الأجل في معظم المجالات الاقتصادية الحيوية، والتي لا تتحقق إلا باعتبار الربح معيارًا للإنتاج.