المجيب د. عبد الوهاب بن ناصر الطريري
عضو هيئة التدريس بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية سابقًا
التصنيف الفهرسة/ السنة النبوية وعلومها/تصحيح الأحاديث والآثار وتضعيفها
التاريخ 24/7/1422
السؤال
ما صحة هذا الحديث؟ وهل تنصحوني بنشره إذا كان صحيحًا في المنتديات؟
قال - صلى الله عليه وسلم:"من قال حين يصبح لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد يحي ويميت وهو على كل شئ قدير"عشر مرات كتب الله بكل واحدة قالها عشر حسنات، وحط الله عنه عشر سيئات، ورفعه الله بها عشر درجات، وكن له كعشر رقاب، وكن له مسلحة من أول النهار إلى آخره ولم يعمل يومئذ يقهرهن"، وحين يمسي له مثل ذلك."
الجواب
السلام عليك ورحمته وبركاته، وبعد، فبين يدي جواب سؤالك، فإني أحمد لك أمرين دلت عليهما مسألتك:
أولهما: حرصك على نشر الخير، ودلالة إخوانك المسلمين عليه، من خلال نشر هذا الحديث في المنتديات التي طفحت بفضول القول ومكرور الكلام.
وثانيهما: تثبتك في عملك، وسؤالك عن صحة الخبر قبل نشره، وخيرًا صنعت إذ سألت، وقد أحسن من انتهى إلى ما علم.
زادك الله بصيرة وهدى، وجعلك من مفاتيح الخير ودعاة الحق، ثم إني أختصر لك الجواب اختصارًا في نقاط:
الأولى: هذا الحديث بهذا اللفظ أخرجه أحمد في (المسند 23568) من حديث أبي أيوب الأنصاري - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال:"من قال حين يصبح لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير (عشر مرات) كتب الله له بكل واحدة قالها عشر حسنات، وحط عنه بها عشر سيئات، ورفعه الله بها عشر درجات، وكن له كعشر رقاب، وكنّ له مسلحة من أول النهار إلى آخره، ولم يعمل يومئذ عملًا يقهرهنّ، فإن قال حين يمسي فمثل ذلك"وهو حديث صحيح.
وهو عند البخاري (6404) مختصرًا، بمعناه، وفيه"كان كمن أعتق رقبة من ولد إسماعيل"، وعند مسلم (2693) بمعناه مختصرًا، وقال:"كان كمن أعتق أربعة أنفس من ولد إسماعيل".
ثانيًا: جاء معنى الحديث عن جمع من الصحابة منهم: أبو هريرة، ومعاذ بن جبل، وأبو أمامة، وعبد الرحمن بن غنم، وأبو عياش، وغيرهم.
وانظرها في (الترغيب والترهيب) ، باب (الترغيب في أذكار يقولها بعد صلاة الصبح) و (سلسلة الأحاديث الصحيحة) رقم (2563) .
ثالثًا: اختلفت الروايات في عدد الرقاب التي تعدل هذا الذكر، قال الحافظ في (الفتح) :"واختلاف هذه الروايات مع اتحاد المخرج يقتضي الترجيح بينها، فالأكثر على ذكر أربعة".
رابعًا: ظاهر إطلاق الحديث أن الأجر يحصل لمن قال هذا التهليل في اليوم متواليًا أو متفرقًا في مجلس، أو مجالس في أول النهار أو آخره، لكن الأفضل أن يأتي به أول النهار متواليًا، ليكون له حرزًا جميع نهاره، وكذا في أول الليل ليكون له حرزًا في جميع ليله.
خامسًا: ترتب هذا الثواب العظيم على هذا الذكر دليل على شرفه، وفضله، وعظيم ما احتواه من المعاني، ففيه توحيد الله - جل جلاله - بقوله: (لا إله إلا الله) ، وتأكيد هذا التوحيد بقوله: (لا شريك له) ، وتمجيده - جل وعلا - بقوله: (له الملك) ، وحمده -سبحانه وتعالى - بقوله: (له الحمد) ، والثناء عليه وتعظيمه - سبحانه - بقوله: (وهو على كل شيء قدير) .
فمن قال هذا الذكر فقد وحد ربه، ومجّده، وحمده، وعظّمه، وأثنى عليه، وهو - سبحانه - أهل الثناء والمجد، جل ربنا وتعالى وتقدس.
سادسًا: ما ذكر في هذا الحديث من ثواب هذا الذكر ليس حصرًا للثواب، وإنما ذكر لبعضه، وللذكر فوائد وثمرات طيبة مباركة من أجلّها: ذكر المولى - جل وتقدس - لعباده الذين يذكرونه:"فاذكروني أذكركم"فهل ثمة شرف لهذا المخلوق الضعيف أعظم من أن يذكره مالك الملك في الملأ الأعلى؟ كما في الحديث القدسي"وإن ذكرني في ملإٍ ذكرته في ملأ خير منهم". أخرجه البخاري (7405) .
وارجع - زادك الله توفيقًا وهدى - إلى مقدمة (الوابل الصيّب) للإمام الرباني ابن القيم، فإنه سيوقفك على فوائد مجتناة في فضل الذكر يفصلها لك بِنَفَس العالم المتألّه الذي عرف فوصف، وذاق طعم المناجاة والذكر، فأخبر عنها خبر العارفين.
سابعًا: في هذا الحديث مشهد من مشاهد كرم الله وجوده، وسعة فضله، حيث يعطي هذا العطاء الغامر ثوابًا لعمل يسير لا يأخذ من جهدك ووقتك إلا أقل القليل، ولكنه عطاء الكريم الغني، كما أن فيه دلالة على باب من أبواب الخير، وطريق من طرق كسب الثواب، وكان من فضل الله - جل جلاله - أن نوّع طرق الخير ويسرها، حتى يجد كل ما يناسبه ويقدر عليه، وقد بوب النووي ـ رحمه الله ـ في كتابه الماتع (رياض الصالحين) باب في كثرة طرق الخير، وألف الحافظ الدمياطي كتابه الحفيل (المتجر الرابح في ثواب العمل الصالح) فجمع فيه فأوعى من الأحاديث الدالة على أنواع من أعمال الخير مثاب عليها بعظائم الأجور، وهو لك مفيد إذا رجعت إليه مع التثبت من صحة الأحاديث المذكورة فيه.
جعلنا الله وإياك من المسارعين إلى الخيرات، ورزقنا إخلاص القصد، وصدق القول، وصلاح العمل، والله أعلم.