والتوفي هنا قبض الأرواح عن التصرف في حال النوم، واستيفاء العقل والتمييز إلى وقت اليقظة، والذي ينام كأنه استوفى حركاته من اليقظة.
الثاني: يطلق التوفي على الموت، وذلك وقت انقضاء الأجل، وفيه استيفاء للروح دون البدن، فيستوفي الله الروح كما في قوله تعالى:"حتى إذا جاء أحدكم الموت توفته رسلنا وهم لا يفرطون" [الأنعام: 61] . أما البدن فليس فيه هنا استيفاء ولا قبض، بل يبقى في الأرض ويوارى في التراب.
الثالث: يطلق التوفي على توفي الروح والبدن جميعًا، أي قبضهما واستيفاؤهما جميعًا، وهذا الذي حصل للمسيح عليه السلام، وبذلك خرج عن حال أهل الأرض الذين يحتاجون إلى الأكل والشرب واللباس والنوم وغيرها، فحاله -عليه السلام- ليست كحال أهل الأرض في ذلك.
وعلى هذا فمعنى التوفي في قوله تعالى:"وإذ قال الله يا عيسى إني متوفيك ورافعك إلي ومطهرك من الذين كفروا ..." [آل عمران: 55] . أي قابضك ورافعك في الدنيا من غير موت، وهذا التوفي يحتمل معنيين، وكلاهما صحيح:
الأول: أي رافعك إلي وافيًا لم ينالوا منك شيئًا، كما يقال: توفيت من كذا وكذا واستوفيته: إذا أخذته تامًا.
الثاني: إني متسلّمك، كما يقال: توفيت منه كذا: أي تسلمته وقبضته.