فهرس الكتاب

الصفحة 10021 من 10201

أما ما أنت فيه من حزنك على ابنك، وما يعتريك من ألوان الأسى والحزن كلما هبت عليك رياح ذكراه فهذا من الرحمة التي أودعها الله قلوب عباده، فلقد بكى النبي -صلى الله عليه وسلم- عند وفاة ابنه إبراهيم انظر ما رواه البخاري (1303) ، ومسلم (2315) من حديث أنس - رضي الله عنه - وعند وفاة بعض بناته، بل عندما رأى ابن ابنة له يجود بنفسه دمعت عيناه - صلى الله عليه وسلم-، ولما عوتب في ذلك قال - صلى الله عليه وسلم-"هذه رحمة جعلها الله - تعالى - في قلوب عباده"، وفي رواية"هذه رحمة جعلها الله - تعالى - في قلوب من شاء من عباده، وإنما يرحم الله من عباده الرحماء"متفق عليه عند البخاري (1284) ، ومسلم (923) من حديث أسامة بن زيد -رضي الله عنه.

ولقد بكت فاطمة - رضي الله عنها- وأرضاها لما رأت ما نزل برسول الله - صلى الله عليه وسلم- من سكرات الموت وشدته.

فعن أنس -رضي الله عنه- قال: لما ثقل النبي -صلى الله عليه وسلم- جعل يتغشاه الكرب، فقالت فاطمة - رضي الله عنها-: واكرب أبتاه فقال:"ليس على أبيك كرب بعد اليوم"فلما مات قالت: يا أبتاه أجاب ربا دعاه، يا أبتاه جنة الفردوس مأواه، يا أبتاه إلى جبريل ننعاه، فلما دفن قالت فاطمة -رضي الله عنها-:"يا أنس أطابت أنفسكم أن تحثوا على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- التراب"أخرجه البخاري (4462) .

واعلم كذلك أن في صبرك على وفاة ابنك خير عظيم، عن صهيب بن سنان -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم-:"عجبًا لأمر المؤمن إن أمره كله خير، وليس ذاك لأحد إلا للمؤمن، إن أصابته سراء شكر فكان خيرًا له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرًا له"أخرجه مسلم (2999) .

أما كونك تتمنى الموت من أجل أن ترى ابنك، فهذا لا يجوز لك بحال من الأحوال، فقد ورد النهي عن ذلك.

عن أنس - رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم:"لا يتمنين أحدكم الموت من ضرِّ أصابه، فإن كان لا بد فاعلًا فليقل: اللهم أحيني ما كانت الحياة خيرًا لي، وتوفني إذا كانت الوفاة خيرًا لي"متفق عليه عند البخاري (5671) ، ومسلم (2680) .

واعلم أن الله إذا أحب عبدًا ابتلاه، عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم-:"من يرد الله به خيرًا يصب منه"أخرجه البخاري (5645) .

فعليك أخي الحبيب أن تتحلى بالصبر والتسليم لقضاء الله وقدره، فإن في ذلك الخير العظيم والجزاء الكبير لك في الدنيا والآخرة، قال - صلى الله عليه وسلم-:"إن عظم الجزاء مع عظم البلاء وإن الله إذا أحب قومًا ابتلاهم، فمن رضي فله الرضا، ومن سخط فله السخط"أخرجه الترمذي (2396) عن أنس - رضي الله عنه - وقال: حديث حسن.

ولكن إذا اشتد عليك الوجد، وأقبل عليك الحزن، وضاقت عليك الأرض بما رحبت، فعليك بالآتي:

(1) الجأ إلى الرب - جل وعلا- واسأله أن يرزقك الصبر على ما ابتلاك به، وأن يثبت قلبك ويخلفك خيرًا مما فقدت.

(2) إذا اشتد حزنك لفقد ابنك، فتذكر مصابك بالحبيب المصطفى - صلى الله عليه وسلم- وصدق من قال:

وهل عدلت يومًا رزية هالك *** رزية يوم مات فيه محمد

وما فقد الماضون مثل محمد *** ولا مثله حتى القيامة يفقد

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت