وجائز أن يكون تأويله: أن لو جُعل لنا إلى السماء بابٌ، وفتح، وظللنا نعرج إليها لم نتوصل إليها إلا في ألف عام.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلًا(5)
قيل: الصبر الجميل هو صبر لا جزع فيه، والصبر الذي لا جزع فيه هو أن يصبر صبرا لا يرى عليه أثر الصبر، بألا يظهر في وجهه كراهة، ولا عبوسة، وهو أن ينظر إلى من آذاه بعين الرضا والشفقة، ليس بعين السخط والكراهة.
أو الصبر الجميل ألا يكافئهم، ولا يدع شفقته ورحمته عليهم بما يؤذونه، وقد كان - عليه السلام - كذلك مشفقا بهم رحيما، حتى بلغت شفقته ورحمته وحزنه على كفار قومه مبلغا كادت نفسه تهلك فيها، كما قال اللَّه، تعالى: (فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ) ، وقال: (فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ) ، فالرسل - عليهم السلام - كانوا إذا أوذوا لم يكونوا يحزنون لمكان أنفسهم بما أوذوا، بل كانوا يحزنون لمكان من يؤذيهم خوفا من أن يحل بهم الهلاك والبوار بإيذائهم رسل الله تعالى، وإشفاقهم على قومهم هو الذي كان يحزنهم؛ ليس سوء صنيعهم ومعاملتهم معهم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا(6) . أي: بعيدا أن يكون، فيكون على النفي والإنكار، وقد يستعمل هذا الحرف في موضع النفي؛ يقول الرجل في المناظرة لصاحبه: أبعدت في القول؛ إذا أجاب بشيء لا ثبات له ولا صحة، فيريد بقوله:"أبعدت": النفي؛ أي: ليس كما تقول، وقال اللَّه تعالى: (أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ) ، ومعناه على نفي النداء؛ أي: لا ينادون.
أو أن يكون قوله: (بَعِيدًا) . أي: مستبعدا كونه، فبعد عن أوهامهم حتى أنكروه.
(وَنَرَاهُ قَرِيبًا(7) . أي: قريبا كونه، إن كان معنى قوله: (بَعِيدًا) . أي: بعيدا كونه.
أو (وَنَرَاهُ قَرِيبًا) ، أي: كائنا، وقد قرب وقت وقوع ذلك بهم، وكل ما هو كائن فهو قريب.