ولو قلنا للمنكر لقوله: جِداراً يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ [الكهف: 77] كيف كنت أنت قائلا في جدار رأيته على شفا انهيار: رأيت جدارا ماذا ؟ لم يجد بدّا من أن يقول: جدارا يهمّ أن ينقضّ ، أو يكاد أن ينقضّ ، أو يقارب أن ينقضّ. وأيّا ما قال فقد جعله فاعلا ، ولا أحسبه يصل إلى هذا المعنى في شيء من لغات العجم ، إلا بمثل هذه الألفاظ.
وأنشدني السّجستاني"1"عن أبي عبيدة"2"في مثل قول اللّه: يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ"3":
يريد الرّمح صدر أبي براء ويرغب عن دماء بني عقيل
وأنشد الفرّاء"4":
إنّ دهرا يلفّ شملي بجمل لزمان يهمّ بالإحسان
والعرب تقول: بأرض فلان شجر قد صاح. أي طال ، لمّا تبيّن الشّجر للنّاظر بطوله ، ودلّ على نفسه - جعله كأنه صائح: لأن الصائح يدلّ على نفسه بصوته.
(1) السجستاني: هو أبو حاتم السجستاني ، تقدمت ترجمته.
(2) أبو عبيدة: هو الحافظ أبو عبيدة معمر بن المثنى التميمي البصري المنشأ ، بغدادي الدار والوفاة ، الفقيه اللغوي الأخباري ، ولد سنة 110 ه ، وتوفي سنة 203 ه ، تقدمت ترجمته الوافية ، مع ذكر مؤلفاته.
(3) البيت من الوافر ، وهو بلا نسبة في لسان العرب (رود) ، وكتاب الصناعتين ص 212 ، وتفسير الطبري 16/ 186 ، ومجاز القرآن 1/ 410.
(4) يروى صدر البيت بلفظ:
إن دهرا يلفّ حبلي بجمل والبيت من الخفيف ، وهو لحسان بن ثابت في أساس البلاغة (لفف) ، وليس في ديوانه ، وبلا نسبة في لسان العرب (دهر) ، وتهذيب اللغة 6/ 192 ، وديوان الأدب 1/ 107 ، وتاج العروس (دهر) .