(كافر به) راجع إلَى ما معكم لا إلَى الْقُرْآن ولا إلَى الرَّسُول عَلَيْهِ السَّلَامُ كما هُوَ الْمُتَبَادَر
ومنشأ السؤال فلا إشكال في كونهم (أَوَّلَ كَافرٍ به) أي بما معهم وهو التَّوْرَاة أو هي
والْإنْجيل؛ إذ ما معهم لم يكن مع الْمُشْركينَ حتى يسبقوهم في كفره؛ إذ الْمُرَاد ليس المعية
الزمانية بل المعية بحسب الاعتقاد والعمل، ولو سلمت المعية الزمانية فلا يضر؛ إذ التَّوْرَاة
مختصة ببني إسْرَائيل، وأجاب رابعًا بقوله أو مثل من كفر بتقدير الْمُضَاف أو الحمل عَلَى
التشبيه البليغ. والحاصل أن منشأ الإشكال أمور أربعة، فأجاب بمنع كل واحد عَلَى الترتيب
أقوى الْجَوَاب الأقدم فالأقدم، والله تَعَالَى أعلم، وبيان رجحان الأجوبة بعضها عَلَى بعض
مفوض إلَى نظرك الثاقب فمن نظر إلَى بيانه أولًا ظن أن الْجَوَاب هُوَ الأول حيث اكتفى
بالتعريض تنبيهًا عَلَى متانته وبلاغته البارعة، وما عداه احتمال يلتفت إليه حين اكتفى بأصل
الفصاحة والبَلَاغَة فلا إشكال بأنه حكم أولًا بالتعريض وحده، ثم عدل عنه إلَى نكتة أخرى فلا
ينتظم آخر كلامه بأوله ثم الْمُرَاد بكفر ما معهم الكفر اللازم من كفر الْقُرْآن دون الكفر
قصدًا ولزوم الكفر إذا كان معلومًا كالتزام الكفر، وإلى ذلك أشار بقوله فإن من كفر بالْقُرْآن فقد
كفر بما يصدقه؛ لأن كفر الْقُرْآن إنكار كونه منْ عنْد اللَّه وهو يستلزم إنكار الأحكام التي فيه
ومن جملتها الأحكام النَّبيّ يوافق الْقُرْآن فيها التَّوْرَاة وإنكار القصص والمواعظ، وَأَيْضًا حقية
الْقُرْآن مذكورة في التَّوْرَاة فإذا أنكروا حقيته وكونه منْ عنْد اللَّه فقد كذبوا التَّوْرَاة في إخبار
حقيته والتَّكْذيب ببعض كفر بالكل، وهذا هُوَ الملائم لما ذكر في بيان كونه مُصَدِّقًا أو لا
والأول يناسب لما ذكره ثانيًا، فاندفع ما قاله النحرير التفتازاني إنما يتم هذا لو كان كفرهم به
أنه كذب كله، وأما إذا كَفَرُوا بكونه كلام الله تَعَالَى واعتقدوا أن فيه الصادق والكاذب فلا انتهى.
وجه الاندفاع هُوَ أنه لما كَفَرُوا بكونه كلام الله تَعَالَى كَفَرُوا بالتَّوْرَاة التي أخبرت بأنه سينزل
الْقُرْآن عَلَى وصف كذا عَلَى نبي نعته، كذا عَلَى أنه إذا اعتقدوا أن فيه الصادق والكاذب فقد
اعتقدوا أنه كذب كله لما عرفت أن الإيمان بالبعض دون بعض كفر حقًا. [قال] ويقولون
الصادق والكاذب فقد اعتقدوا أنه كذب كله لما عرفت أن الإيمان بالبعض دون بعض كفر
حقًا قال تَعَالَى (وَيَقُولُونَ نُؤْمنُ ببَعْضٍ وَنَكْفُرُ ببَعْضٍ) إلَى قَوْله:(أُولَئكَ هُمُ
الْكَافرُونَ حَقًّا)الآية. ولا فرق بين كفر الكتب والرسل.
* * * * * * * * * * [حَاشيَة ُابْن التَّمْجيد] * * * * * * * * * *
قوله: من وأل هُوَ وأل إلَى المكان أي التجئ به واكتنف أو من وأل منه أي خلص ونجا منه.
قوله: أو أول فيكون من أول بمعنى الرجوع وقلبت همزته واوا فيه أَيْضًا عَلَى خلاف الْقيَاس
لأن القلب قياسا إنما هُوَ فيما إذا سكنت الهمزة وضم ما قبلها نحو أو من ونحوه.