إشَارَة إلَى أن مجرد التفكر ليس بمقصود بل لكونه ذريعة إلَى القيام بشكرها وصرف جميع
ما أنعم عليه إلَى ما خلق له، فالأمر بالذكر أمر بالقيام بشكرها أو مستلزم له أو كناية عنه ولم
يصرح به؛ إذ الكناية أبلغ.
قوله: (وتَقْييد النعمة بهم) أي بكونها عليهم أي إضافة النعمة إلَى الياء للاسْتغْرَاق؛ إذ
لا قرينة عَلَى العهد فيكون قوله التي أنعمت للتَّخْصِيص والتقيد، فالأولى وتَخْصيص النعمة
بهم؛ إذ النعمة عامة لا مطلقة لكنه قد يستعمل التَّقْييد في مَوْضع التَّخْصِيص.
قوله: (لأن الْإنْسَان) أي جميع الْإنْسَان؛ إذ اللام للاسْتغْرَاق (غيور) وهذا بمعنى
(حسود) ولذا ترك العطف غاية المنشأ الحسد الغيرة المذمومة (بالطبع) وهذا يؤيد
الاسْتغْرَاق، أَلَا [تَرَى] إلَى قَوْله عَلَيْهِ السَّلَامُ:"ثلاث لا ينجو منهن أحد الطيرة وسوء الظن"
والحسد". الْحَديث. فهذه الغيرة المذمومة الناشئ منها الحسد متحققة في كل أحد فيما سوى"
الْأَنْبيَاء لكن العمل بموجبه ليس بمتحقق فيمن عصمه اللَّه تَعَالَى (فإذا نظر إلَى ما أنعم) وهذا
النظر لكونه أمرًا محققًا كثير الوقوع عبر بإذا والْمَاضي وفيه إشَارَة إلَى أن الْإنْسَان كما أنه
مجبول عَلَى الحسد كَذَلكَ يعمل بمقتضاه في أغلب الحال إلا من رحمه الله الملك
المتعال. قوله:(على غيره حمله الغيرة والحسد على الكفران والسخط، وإن نظر إلَى ما
أنعم الله به عليه حمله حب النعمة على الرضى والشكر)قوله: وإن نظر أورد كلمة الشك لأن
هذا النظر المؤدي إلَى الرضاء والشكر في غاية القلة والندرة ثم الثابت في محله أن الشكر
* * * * * * * * * * [حَاشيَة ُابْن التَّمْجيد] * * * * * * * * * *
قوله: وإذا نظر إلَى ما أنعم به حمله حب النعمة عَلَى الرضى والشكر لما كان معنى(اذْكُرُوا
نعمتي)الأمر بالشكر عَلَى النعمة بما يوجب الشكر وهو النعمة التي أنعمت عليهم لا النعمة التي
أوليت لغيرهم لأن ما أولى لغيرهم إذا نظر إليه الْإنْسَان ربما حمله الغيرة والحسد عَلَى الكفران فصلًا
عن الشكر، وأما إذا نظر إلَى ما منح له وأنعم عليه نفسه حمله ذلك عَلَى الشكر لأن منح أمر محبوب
لإنسان يوجب الرضى عن مانحه والشكر له. قوله: وقيل أراد بها الخ. قائله صاحب الكَشَّاف فإنه قال
وأراد بها ما انعم له عَلَى آبائهم مما عدد عليهم من الإنجاء من فرعون وعذابه ومن الغرق ومن العفو
عن اتخاذ العمل والتَّوْبَة عليهم وغير ذلك وما أنعم عليهم من إدراك، ومن مُحَمَّد صلى الله تَعَالَى عليه
وسلم المبشر له في التَّوْرَاة والْإنْجيل فمما جاء في التَّوْرَاة أي هاجر لما غضبت عليها سارة تمثل لها
ملك فقال يا هاجر أين تريدين ومن أين أقعلت؟ قالت أهرب من سيدي سارة. فقال ارجعي إلَى سيدتك
واحفظي لها فإنَّ اللَّهَ سيكثر زرعك وذريتك وستحملين وتلدين ابنًا وتسميه إسْمَاعيل من أجل أن الله
سمع تلبيتك وخُشُوعك وهو يكون عين النَّاس ويكون يده فوق الجميع ويد الجمع مبسوطة
بالْخُضُوع ووجه الاستدلال أنه خرج مخرج البشارة، ولا يجوز أن يبشر الملك من الله بأمر لا يتم إلا
بالكذب عَلَى الله، ومعلوم أن إسْمَاعيل وولده لم يكُونُوا متصرفين في معظم أمر الرجال والأمم إلا
بالْإسْلَام، وهو إنما يحصل بمُحَمَّد صلى الله تَعَالَى عليه وسلم، فلو لم يكن مرادًا بالبشارة كان الملك
كاذبًا وهو معصوم، ومما جاء في الإنجيل ما في إنجيل يوحنا."أن عيسى عَلَيْهِ السَّلَامُ قال لأصحابه إني"
أرجع إلَى أبي يبعث لكم فارقليطا يتم لكم أمر دينكم فارقليطا هُوَ الروح القدس". الْمُرَاد به مُحَمَّد"
صلى الله تَعَالَى عليه وسلم وفيه زيادة بحث يطول الْكَلَام بإيراده.