جواب لما؛ ولكون الْمُرَاد في مثل هذا زمانا ممتدا يتحقق اتحاد زماني الشرط
والْجَزَاء الذي هُوَ شرط في لما.
قوله: (اسْتحْضَار) أي تقرير للجواب الإجمالي، وهو مراده بقوله اسْتحْضَار (لقوله
(أعلم ما لا تَعْلَمُونَ) ولهذا قال (لكنه جاء به عَلَى وجه أبسط ليكون) قوله
(كالحجة عليه) أي عَلَى قوله (إنّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ) وإنَّمَا قال كالحجة إما لأنه لم يكن في
صورة الحجة أو الاحتمال كونه تفصيلًا له لا دليلًا عليه؛ إذ من الاحتمالات كون الْمُرَاد بما
لا تَعْلَمُونَ ما خفي عليهم من أمور السَّمَاوَات الخ. كما يحتمل كون الْمُرَاد به دواعي الخلافة
وما يتوقف الخلافة عليه، وهو الظَّاهر من كلامه سابقًا حَيْثُ قال: وإليه أشار بقوله إجمالًا
(قَالَ إنّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ) وقد أوضحنا المقام هناك (فإنه تَعَالَى لما علم) .
قوله: (ما خفي عليهم من أمور السَّمَاوَات والْأَرْض) المشار إليه بقوله(إني
أعلم غيب السَّمَاوَات والْأَرْض)(وما ظهر لهم من أحوالهم الظَّاهرَة
والباطنة)المشار إليه بقوله (وأعلم ما تبدون) الآية. ومن هذا لم يذكر
هنا كونه تَعَالَى عالمًا بالشَّهَادَة، وذكر علمه بما ظهر لهم للتنبيه عَلَى أن علمه تَعَالَى بما
يكتمون كعليه بما يظهرون، واخْتيرَ صيغة الخ. الاسْتقْبَال ليفيد الاسْتمْرَار عَلَى أن
الزمان منسلخ عن صيغ الأفعال في شأنه تَعَالَى، كما حقق في المواقف، ولو أريد
بالسَّمَاوَات والْأَرْض سماوات الدُّنْيَا والْآخرَة وأرضهما كما هُوَ الظَّاهر لاستفيد كون
معلومات اللَّه تَعَالَى غير متناهية بالفعل، فحِينَئِذٍ يكون في الْجَوَاب من الْمُبَالَغَة ما لا
يخفى (علم ما لا يَعْلَمُونَ) .
* * * * * * * * * * [حَاشيَة ُابْن التَّمْجيد] * * * * * * * * * *
قوله: لكنه جاء به عَلَى وجه أبسط يكون كالحجة عليه فإنه تَعَالَى قال أولا(إني أعلم ما
لا تَعْلَمُونَ)ثم قال: (إني أعلم غيب السَّمَاوَات والْأَرْض) الآية. وفي
الكَشَّاف إلا أنه جاء به عَلَى وجه أبسط من ذاك وأشرح. قال بعض شراح الكَشَّاف: وإنما قال أبسط
ولم يقل بيان له لأن معلومات الباري تَعَالَى لا نهاية لها وغيب السَّمَاوَات والْأَرْض وما يبدونه وما
يكتمونه لم يكن قطرة من تلك الأبحر، لكنه نوع بسط لذلك المجمل، وذكر بعضهم أن بعض الناس
فسر (غيب السَّمَاوَات والْأَرْض) بما غاب من أمرهما أو أمر ما فيهما ثم نفي أن يكون هذا أبسط
من قوله: (إنّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ) لشموله المعارف الْإلَهيَّة. ثم قال لعل السبب
هذا التَّخْصِيص أنه أنسب بحكمة الاستخلاف. وأُجيب بأن الزَّمَخْشَريّ فسر (ما لا تَعْلَمُونَ) بقوله
أي أعلم من المصالح في ذلك ما هُوَ خفي عليكم، وحِينَئِذٍ لا يَشْمَل المعارف الْإلَهيَّة فلا يكون
أبسط عَلَى أن فيها ما غاب علمه عن أهلهما، وهو يتناول ما يتناوله السابق. أقول: لا حاجة إلَى هذه
التكلفات فإن معنى كونه أبسط منه أنه مذكر للأول بكلام مبسوط وألفاظ كثيرة ليست في الأول.
قوله: ليكون كالحجة عليه لدلالته عَلَى شمول علمه تَعَالَى بالكل. أي لما يَعْلَمُونَه من غيب
السَّمَاوَات والْأَرْض وما يَعْلَمُونَه من سرهم وعلنهم، فكأنه قيل أعلم ما لا تَعْلَمُونَ لإحاطة علمي بما
علمتموه وبما لم تعلموه، والعلم بالجميع دليل وبرهان عَلَى العلم بالبعض.