الذاهبون إلى أنه فعله عامداً أربع فرق: منهم من قال: النهي نهي تنزيه لا تحريم وقد سبق . ومنهم من قال: كان عمداً من آدم وكان كبيرة مع أن آدم فِي ذلك الوقت كان نبياً ، وقد عرفت فساده . ومنهم من قال: فعله عمداً لكن كان معه من أعمال القلب من الإخلاص والوجل والإشفاق ما صيره صغيرة ، وزيف بأن المقدم على ترك الواجب أو فعل المنهي عمداً لا يعذر بدعوى الخوف ، فلا يصح وصف الأنبياء بذلك . ومنهم - وهو اختيار أكثر المعتزلة - من قال: إنه أقدم على الأكل بسبب اجتهاد أخطأ فيه ، وذلك لا يقتضي كون الذنب كبيرة ، بيان الاجتهاد أنه لما قيل له {ولا تقربا هذه الشجرة} فلفظ {هذه} قد يشار بها إلى الشخص ، وقد يشار بها إلى النوع كما روي أنه صلى الله عليه وسلم أخذ حريراً وذهباً بيده وقال"هذان حرامان على ذكور أمتي"وتوضأ ثم قال"هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إلا به"وأراد نوع الحرير والذهب ، ونوع الوضوء . فمراد الله تعالى من كلمة {هذا} ذلك النوع لا الشخص . وكان آدم ظن أن النهي قد ورد على الشجرة المعينة فتركها ، وتناول من شجرة أخرى من ذلك النوع . واعترض بأن هذا فِي أصل اللغة للإشارة الشخصية ، وإذا حمل آدم اللفظ على موضوعه فكيف يعد مخطئاً؟ وأيضاً هب أن لفظ {هذا} متردد بين الشخص والنوع ، فإن كان مع قرينة الإشارة النوعية وقد قصر فِي معرفتها فيكون مذنباً ، وإن عرفها ومع ذلك أقدم على التناول فكذلك ، وإن لم يكن فيه قرينة فلا يعد مخطئاً . وأيضاً الأنبياء لا يجوز لهم الاجتهاد لأنهم قادرون على تحصيل اليقين بالوحي ، فالإقدام على الاجتهاد عين المعصية . وأيضاً هذه المسألة إن كانت قطعية فالخطأ فيها كبيرة ، وإن كانت من الظنيات فإن قلنا: كل مجتهد مصيب . فلا خطأ ، وإن قلنا المصيب واحد فالمخطئ فيها معذور بالاتفاق . وأجيب بأن لفظ {هذا} يستعمل فِي الإشارة النوعية أيضاً كما مر ، وبأن آدم لعله قصر فِي معرفة