وَكَمْ فِي تَسْلِيطِ أَوْلِيَائِهِ عَلَى أَعْدَائِهِ، وَتَسْلِيطِ أَعْدَائِهِ عَلَى أَوْلِيَائِهِ، وَالْجَمْعِ بَيْنَهُمَا فِي دَارٍ وَاحِدَةٍ، وَابْتِلَاءِ بَعْضِهِمْ بِبَعْضٍ مِنْ حِكْمَةٍ بَالِغَةٍ، وَنِعْمَةٍ سَابِغَةٍ!.
وَكَمْ فِيهَا مِنْ حُصُولِ مَحْبُوبٍ لِلرَّبِّ، وَحَمْدٍ لَهُ مِنْ أَهْلِ سَمَاوَاتِهِ وَأَرْضِهِ، وَخُضُوعٍ لَهُ وَتَذَلُّلٍ، وَتَعَبُّدٍ وَخَشْيَةٍ وَافْتِقَارٍ إِلَيْهِ، وَانْكِسَارٍ بَيْنَ يَدَيْهِ أَنْ لَا يَجْعَلَهُمْ مِنْ أَعْدَائِهِ، إِذْ هُمْ يُشَاهِدُونَهُمْ وَيُشَاهِدُونَ خِذْلَانَ اللَّهِ لَهُمْ، وَإِعْرَاضَهُ عَنْهُمْ، وَمَقْتَهُ لَهُمْ، وَمَا أَعَدَّ لَهُمْ مِنَ الْعَذَابِ، وَكُلُّ ذَلِكَ بِمَشِيئَتِهِ وَإِرَادَتِهِ، وَتَصَرُّفِهِ فِي مَمْلَكَتِهِ، فَأَوْلِيَاؤُهُ مِنْ خَشْيَةِ خِذْلَانِهِ خَاضِعُونَ مُشْفِقُونَ، عَلَى أَشَدِّ وَجَلِّ، وَأَعْظَمِ مَخَافَةٍ، وَأَتَمِّ انْكِسَارٍ.
فَإِذَا رَأَتِ الْمَلَائِكَةُ إِبْلِيسَ وَمَا جَرَى لَهُ، وَهَارُوتَ وَمَارُوتَ وَضَعَتْ رُءُوسَهَا بَيْنَ يَدَيِ الرَّبِّ خُضُوعًا لِعَظَمَتِهِ، وَاسْتِكَانَةً لِعِزَّتِهِ، وَخَشْيَةً مِنْ إِبْعَادِهِ وَطَرْدِهِ، وَتَذَلُّلًّا لِهَيْبَتِهِ، وَافْتِقَارًا إِلَى عِصْمَتِهِ وَرَحْمَتِهِ، وَعَلِمَتْ بِذَلِكَ مِنَّتَهُ عَلَيْهِمْ، وَإِحْسَانَهُ إِلَيْهِمْ، وَتَخْصِيصَهُ لَهُمْ بِفَضْلِهِ وَكَرَامَتِهِ.
وَكَذَلِكَ أَوْلِيَاؤُهُ الْمُتَّقُونَ، إِذَا شَاهَدُوا أَحْوَالَ أَعْدَائِهِ وَمَقْتَهُ لَهُمْ، وَغَضَبَهُ عَلَيْهِمْ، وَخِذْلَانَهُ لَهُمْ، ازْدَادُوا خُضُوعًا وَذُلًّا، وَافْتِقَارًا وَانْكِسَارًا، وَبِهِ اسْتِعَانَةً وَإِلَيْهِ إِنَابَةً، وَعَلَيْهِ تَوَكُّلًا، وَفِيهِ رَغْبَةً، وَمِنْهُ رَهْبَةً، وَعَلِمُوا أَنَّهُمْ لَا مَلْجَأَ لَهُمْ مِنْهُ إِلَّا إِلَيْهِ، وَأَنَّهُمْ لَا يُعِيذُهُمْ مِنْ بَأْسِهِ إِلَّا هُوَ، وَلَا يُنْجِيهِمْ مِنْ سَخَطِهِمْ إِلَّا مَرْضَاتُهُ، فَالْفَضْلُ بِيَدِهِ أَوَّلًا وَآخِرًا.
وَهَذِهِ قَطْرَةٌ مِنْ بَحْرِ حِكْمَتِهِ الْمُحِيطَةِ بِخَلْقِهِ، وَالْبَصِيرُ يُطَالِعُ بِبَصِيرَتِهِ مَا وَرَاءَهُ، فَيُطْلِعُهُ عَلَى عَجَائِبَ مِنْ حِكْمَتِهِ، لَا تَبْلُغُهَا الْعِبَارَةُ، وَلَا تَنَالُهَا الصِّفَةُ.