{وَكانَ} إبليس اللعين {مِنَ الْكافِرِينَ} ؛ أي: في علم الله تعالى، أو صار منهم باستقباحه أمر الله إياه بالسجود لآدم، اعتقادا بأنه أفضل منه، والأفضل لا يحسن أن يؤمر بالتخضع للمفضول والتوصل به، كما أشعر به قوله: {أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ} جوابا لقوله تعالى: {ما مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعالِينَ} لا بترك الواجب وحده، وإنما قال: {مِنَ الْكافِرِينَ} ولم يكن حينئذ كافر غيره؛ لأنه كان في علم الله أن يكون بعده كفار، فذكر أنه كان من الكافرين؛ أي: من الذين يكفرون بعده، وهذا كما في قوله: {فَتَكُونا مِنَ الظَّالِمِينَ} وقال أبو العالية: {مِنَ الْكافِرِينَ} ؛ أي: من العاصين، وصلة (أل) هنا ظاهرها الماضي؛ أي: من الذين كفروا، فيكون قد سبق إبليس كفار، وهم الجن الذين كانوا في الأرض، أو يكون إبليس أول من كفر مطلقا، إذ لم يصح أنه كان كفار قبله، وإن صح فيفيد أول من كفر بعد إيمانه، أو يراد الكفر الذي هو التغطية للحق، وكفر إبليس قيل: جهل سلب الله ما كان وهبه من العلم فخالف الأمر، ونزع يده من الطاعة، وقيل: كفر عناد ولم يسلب العلم، بل كان الكبر مانعه من السجود.
ومن فوائد هذه الآية: استقباح الاستكبار، وأنه قد يفضي بصاحبه إلى الكفر، والحثّ على الائتمار لأمره، وترك الخوض في سره، وأنّ الأمر للوجوب، وأنّ الذي علم الله من حاله أنه يتوفى على الكفر هو الكافر حقيقة، إذ العبرة بالخواتم، وإن كان بحكم الحال مؤمنا وهي مسألة الموافاة؛ أي: اعتبار تمام العمر الذي هو وقت الوفاة، فإذا كان العبرة بالخاتمة، فليسارع العبد إلى الطاعات، فكل ميسر لما خلق له، كما ورد في الخبر الصحيح، خصوصا في آخر السنة، وخاتمتها، كي يختم له الدفتر بالعمل الصالح. وفي الخبر: قيل يا رسول الله: من خير الناس؟ قال: «من طال عمره وحسن عمله» قيل: فأي الناس شر؟