واعلم أن الملائكة المأمورين بالسجود هم كل الملائكة عند أكثر الأئمة ، لأن الجمع المعرف للعموم ويؤكده قوله {فسجد الملائكة كلهم أجمعون} [ص: 73] . وأيضاً استثناء الشخص الواحد يدل على أن ما عداه داخل فِي ذلك الحكم . ومن الناس أنكر ذلك وقال: هم ملائكة الأرض استعظموا أن يكون أكابر الملائكة مأمورين بذلك ، وأما الحكماء فإنهم يحملون الملائكة على الجواهر الروحانية ، واستحالوا انقياد الأرواح السماوية للنفوس الناطقة . وقالوا: المأمورون بالسجود القوى الجسمانية البشرية المطيعة للنفس الناطقة . قوله تعالى {وقلنا يا آدم اسكن} الآية الأصح أن هذا الأمر يشتمل على ما هو إباحة لأنه كان مأذوناً فِي الانتفاع بجميع الجنة ، وعلى ما هو تكليف وتعبد ، فإن المنهي عنه كان حاضراً . روي عن قتادة أنه قال: إن الله ابتلى آدم بإسكان الجنة كما ابتلى الملائكة بالسجود ، وذلك لأنه كلفه أن يكون فِي الجنة يأكل منها حيث يشاء ، ونهاه عن شجرة واحدة أن يأكل منها ، فما زال به البلاء حتى وقع فيما نهي عنه . فإسكانه موضعاً يحصل فيه ما يكون مشتهى له مع منعه عن تناوله من أشد التكاليف . وإنما لم يقل وهبت منك الجنة لأنه خلق لخلافة الأرض وكان إسكان الجنة كالتقدمة لذلك . فلو قال رجل لغيره أسكنتك داري . لا تصير الدار ملكاً له . وأجمعوا على أن المراد بالزوجة حواء وإن لم يتقدم ذكرها فِي هذه السورة . ففي سائر القرآن ما يدل على ذلك وإنها مخلوقة منه {خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها} [النساء: 1] وقال صلى الله عليه وسلم"إن المرأة خلقت من ضلع لن تستقيم لك على طريقة ، فإن استمتعت بها استمتعت وبها عوج ، وإن ذهبت تقيمها كسرتها وكسرها طلاقها"وذكر السدي عن ابن عباس وابن مسعود وناس من الصحابة أن الله تعالى لما أخرج إبليس من الجنة وأسكن آدم الجنة حل فيها وحده وما كان معه من يستأنس به ، فألقى الله تعالى عليه النوم ، ثم أخذ ضلعاً