وللعقلاء ههنا قولان: أحدهما أن إبليس حين اشتغاله بالعبادة كان منافقاً كافراً ، أما عند من يمنع الإحباط فلأن ختمه لما كان على الكفر علم أنه ما كان مؤمناً قط . وأما عند غيرهم فلما حكاه الشهرستاني فِي أول الملل والنحل عن شارح الأناجيل الأربعة على شبه منظرة بين إبليس والملائكة بعد الأمر بالسجود قال إبليس لعنه الله: إني سلمت أن الباري تعالى إلهي وإله الخلق عالم قادر حكيم ، إلا أن لي على مساق حكمه أسئلة ؛ الأول: إنه قد علم قبل خلقي أيّ شيء يصدر عني فلم خلقني؟ وما الحكمة فِي خلقه إياي؟ الثاني: إذ خلقني على مقتضى إرادته ومشيئته ، فلم كلفني بمعرفته وطاعته؟ وما الحكمة فِي التكليف مع أنه لا ينتفع بطاعة ولا يتضرر بمعصية ، وكل ما يعود إلى المكلفين فهو قادر على تحصيله لهم من غير واسطة التكليف؟ الثالث: إذ خلقني وكلفني فالتزمت تكليفه بالمعرفة والطاعة فأطعت وعرفت ، فلم كلفني بطاعة آدم والسجود له؟ وما الحكمة فِي هذا التكليف على الخصوص بعد أن لا يزيد ذلك فِي معرفتي وطاعتي؟ والرابع: إذ خلقني وكلفني بهذا التكليف على الخصوص فإذا لم أسجد ، فلم لعنني وأخرجني من الجنة وأوجب عقابي مع أنه لا فائدة له فِي ذلك ولي فيه أعظم الضرر؟ والخامس: ثم لما فعل ذلك فلم مكنني من الدخول إلى الجنة ومن وسوسة آدم بعد أن لو منعني من دخول الجنة استراح مني آدم وبقي خالداً فِي الجنة؟ والسادس: إذ خلقني وكلفني عموماً وخصوصاً ولعنني ثم طرقني إلى الجنة ، وكانت الخصومة بيني وبين آدم ، فلم سلطني على أولاده حتى أراهم من حيث لا يرونني ويؤثر فيهم وسوستي ولا يؤثر فيّ حولهم وقوتهم؟ وما الحكمة فِي ذلك بعد أن لو خلقهم على الفطرة وأبقاهم على ذلك فيعيشوا طاهرين سامعين مطيعين كان أحرى بالحكمة؟ والسابع: سلمت هذا كله ، فلم إن استمهلته أمهلني ، وما الحكمة فِي ذلك بعد أن لو أهلكني فِي الحال استراح الخلق مني وما بقي شر فِي العالم؟ ليس بقاء