والفاء في قوله: {فَسَجَدُوا} للتعقيب؛ لإفادة مسارعتهم إلى الامتثال، وعدم تلعثمهم في ذلك، وهذه القصة ذكرت في القرآن في سبع سور، في هذه السورة، والأعراف والحجر، والإسراء، والكهف، وطه، وص. والحكمة في تكريرها؛ تسلية النبي صلّى الله عليه وسلّم، فإنه كان في محنة عظيمة في قومه وأهل زمانه، فكأنه تعالى يقول لنبيه: ألا ترى أن أول الأنبياء وهو آدم عليه السلام، كان في محنة عظيمة في مبدأ خلقه، فاصبر كما صبر.
إِلَّا إِبْلِيسَ؛ أي: ما سجد؛ لأنه خلق من النار، والنار من شأنها الاستكبار، وطلب العلو طبعا، وسمي إبليس؛ لأنه أبلس من رحمة الله؛ أي: أيس.
وللعلماء في هذا الاستثناء قولان:
القول الأول: أنه استثناء متصل؛ لأن إبليس كان جنيا واحدا بين أظهر الألوف من الملائكة، مغمورا بهم، متصفا بصفاتهم، فغلبوا عليه في قوله: {فَسَجَدُوا} ثم استثني منهم استثناء واحد منهم، وأكثر المفسرين: أن إبليس من الملائكة؛ لأن خطاب السجود كان مع الملائكة، فعلى هذا كان منهم ثم أبلس وغضب عليه، ولعن، فصار شيطانا. قال البغوي: وهو الأصح وعليه الجمهور، وابن عباس، وابن مسعود، وابن المسيب، وغيرهم. قال في «التيسير» : أما وصف الملائكة بأنهم لا يعصون ولا يستكبرون، فذلك دليل تصوّر العصيان منهم، ولولا التصوّر لما مدحوا به، لكن طاعتهم طبع، وعصيانهم تكلّف، وطاعة البشر تكلّف، ومتابعة الهوى منهم طبع، ولا يستنكر من الملائكة تصوّر العصيان، فقد ذكر من هاروت وماروت ما ذكر.