وثانيهما: أن الله تعالى من كمال فضله ورحمته مع الإنسان، جعل همة الملائكة في الطاعة، والتسبيح، والتحميد مقصورة على استعداد المغفرة للإنسان، كما قال تعالى: {وَالْمَلائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الْأَرْضِ} فلذلك أمرهم بالسجود لأجلهم، وليستغفروا لهم.
واعلم: أن الملائكة من عالم الغيب لا نعرف حقيقتهم، والكتاب الكريم يرشد إلى أنهم أصناف لكل صنف عمل، وقد جاء في لسان الشرع إسناد إلهام الحق والخير إلى الملائكة، كما يستفاد من خطابهم لمريم عليها السلام، وإسناد الوسوسة إلى الشياطين، وهو مشهور في الكتاب والسنة. فقد روى الترمذي: إن للشيطان لمّة بابن آدم، وللملك لمّة؛ فأما لمّة الشيطان فإيعاد بالشر، وتكذيب بالحق؛ وأما لمّة الملك فإيعاد بالخير، وتصديق بالحق، فمن وجد ذلك فليعلم أنه من الله، فليحمد الله على ذلك، ومن وجد الآخر فليتعوذ بالله من الشيطان، ثم قرأ {الشَّيْطانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشاءِ} واللمّة الإلمام والإصابة، فالملائكة والشياطين أرواح لها اتصال بأرواح الناس لا نعرف حقيقته، بل نؤمن بما ورد فيه ولا نزيد عليه شيئا آخر.
{فَسَجَدُوا} ؛ أي: سجدت الملائكة كلهم أجمعون؛ أي: لآدم، دل عليه قوله: {اسْجُدُوا لِآدَمَ} ؛ لأنهم خلقوا من نور، كما قال صلّى الله عليه وسلّم: «خلقت الملائكة من نور» والنور من شأنه الانقياد والطاعة، وكان هذا السجود قبل دخول آدم الجنة؛ لأن الظاهر من السياق وقوع التعليم لآدم، فإنباؤه للملائكة، فأمر الملائكة بالسجود له، فإسكانه الجنة، ثم إخراجه منها وإسكانه الأرض.
وأول من سجد منهم: جبريل، فأكرم بإنزال الوحي على النبيين، وخصوصا على سيد المرسلين، ثم ميكائيل، ثم إسرافيل، ثم عزرائيل، ثم سائر الملائكة، وقيل: أول من سجد: إسرافيل، فرفع رأسه، وقد ظهر كل القرآن مكتوبا على جبهته كرامة له على سبقه إلى الائتمار.