فهرس الكتاب

الصفحة 94 من 489

يعقل أن تحوي كتب زرادشت وغيرها من الكتب أمورا في تعظيم الخالق وتصغير قدر الدنيا أكثر من القرآن، فهو المنسوخ كما قال ابن رُبّن بالتوحيد والتهاليل والتحاميد والسنن والشرائع والخبر والأثر والوعد والوعيد والرغبة والرهبة والنبوات والبشارات بالأمور الجميلة التي تليق بجلال الله وحكمته وطول، وبسط الأمل في الغفران والرأفة وقبول التوبة والمعاني التي ترتاح إليها النفس وتستريح إليها الآمال. . . . . . ولذلك استحق أن يقال إن هذا الكتاب آية من آيات النبوة إذ لم يكن له نظير مذ خُلق الخلق. وخُط في الرق.

إن دعوى ابن المقنع أنه أخذ من الماضين حكمتهم، وأنهم لم يتركوا بعدهم مقالا لقائل، لا يمنع إذا تدبرنا كلامه أن نجد له كثيرا من الآراء المبتكرة المبتدعة، استفادها من المجتمع الذي عاش فيه، وثقفها من الحوادث التي مرت به، وأوحاها إليه ما عانا من أبناء دهره، وشهد من صعاليكه وملوكه؛ كان عصره كتابا مفتوحا، اقتبس منه كل ما فيه حكمة تنجح في تقويم معوج الأخلاق، وسن الفضائل؛ وعلمنا منه أنه كان من المحافظين يحتفظ بتراث الأجداد، ولا يسير إلى التجدد إلا بقدر معلوم.

أما رأي ابن المقفع في العرب، فهو لا يقل عن رأي أعظم المتعصبين لهم من أبنائهم كالجاحظ. روي أبو الهاشمي عن القَحْذَمي عن شبيب بن شيبة قال: كنا وقوفا بالمربد، وكان المربد مآلف الأشراف، إذ أقبل ابن المقفع، فبششنا به وبدأناه بالسلام، فرد علينا السلام، ثم قال: لو ملتم إلى دار نيروز وظلها الظليل، وسورها المديد، ونسميها العجيب، فعودتم أبدانكم تمهيد الأرض، وأرحتم دوابكم من جهد الثقل، فإن الذي تطلبونه لم تفلتوه، ومهما قضى الله لكم من شئ تنالوه، فقبلنا وملنا؛ فلما استقر بنا المكان قال لنا: أي الأمم أعقل؟ فنظر بعضنا لبعض، فقلنا لعله أراد أصله من فارس، فقلنا: فارس! فقال: ليسوا بذاك، إنهم ملكوا كثيرا من

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت