شاركتهما بغداد بهذا الشرف، ثم أربت عليهما منذ وافاها أهل الفضل من الأمصار، فما هي إلا أعوام حتى أصبحت بغداد مدينة علم، وكانت من قبل مدينة ملك، بما نقل من صنوف العلم إلى الخلفاء وأتباعهم.
وأيقن أرباب البصائر أن الدنيا لا تأتي من غير طريق الكفاية، وأن كل عز لم يؤكد بعلم فإلى ذل يؤول فانكبوا على التأدب، وحرص أرباب اليسار على تثقيف أبنائهم، وكان إذا تفرس رب البيت في ولده ذكاء جاءه بالمؤدبين يلقنونه ما يشتهي نفسه من الآداب، ولذا أصبح التعليم صناعة، وحسن عيش المؤدبين؛ وغدا التأديب أيضًا طريقًا إلى المجد والسؤدد، على ما أمست منادمة الملوك والأمراء صناعة برأسها؛ وقد يبلغ سلطان النديم في قصور العظماء ما لا يبلغه سلطان الوزراء والكتاب، وهو ابن الخلوة والجلوة، والمؤتمن على الحرم والأسرار.
عمرت مجالس العلم والأدب، وأمست دور الكبراء مثابة المفنين والإخصائيين، يغشاها أرباب الأفكار، وحملة الآثار والأشعار؛ والعهد بعلماء البصرة يختلفون إلى المسجد والمربد، وكان المسجديون والمربديون جماعًا من شعب الأدب والرواية، والعهد بالكوفة يختلف المنورون من بينها إلى الكناسة مجمع الشعراء والأدباء، ومسجدهم مجمع علمائهم، ومغنى قرائهم، والمنافسة بين المصرين، والكوفة والبصرة، في الفقه والحديث واللغة والنحو والتصريف مشهورة مذكورة، وبغداد تنعقد مجالسها، وتغص مساجدها بأرباب العقول وحفدة الشريعة، وقادة الفكر، وشعراء الحضارة، وأمراء البلاغة.
وهناك مجالس اللهو يعرض فيها الموسيقاريون والمغنون فنهم، ويتبارى أرباب النعيم والرفاهية في اقتناء المسمعات والقينات، وغدت الجارية التي تجد من نفسها طبيعة مؤاتية في هذا الفن، تتوفر في هذا على إتقانه، وتلقف ما يستلزم فنها من أدب وشعر؛ فجاء منهن أديبات وشاعرات، وغدا لكل قريحة قيمة، ولكل أدب