فهرس الكتاب

الصفحة 355 من 489

ولا في وضع أبوابها، وابتكار فصولها، وكلها ابنة درسه وبحثه، يصدرها في اتساق متقن، وتحقيق بالغ؛ وربما كان من أبحاثها ما اقترح عليه الخوض فيه، فكتب ما أراد وما أريد منه؛ وكأه المفتي الحجة يستفتي في علوم الدنيا والآخرة، فلا يلحق غباره أحد، وهو أبدًا الفارس المجلي في كل حلبة، لم يلحقه أحد في طريقته، وحاول تقليده غير واحد في العصور التالية.

الإكثار من التأليف مع الإجادة فيه هو وجه الغرابة في الجاحظ، ألف خمسين وثلاثمائة مؤلف، بين رسالة في بضع صفحات وكتاب في بضعة مجلدات، رآها كلها سبط ابن الجوزي في أول القرن السابع في مشهد أبي حنيفة ببغداد. ألف هذا وجوده، وطريقته كما قال عن نفسه أن لا يصل الصدق بالكذب، ولا يدخل الباطل في تضاعيف الحق، ولا يتكثر بقول الزور، ولا يلتمس تقوية ضعفه باللفظ الحسن، وستر قبح كلامه بالتأليف المونق، ولا يستعين على إيضاح الحق إلا بالحق، وعلى إيضاح الحجة إلا بالحجة، ولا يستميل إلى دراسة تآليفه واقتنائها، ويستدعي إلى تفضيلها والإشادة بذكرها، بالأشعار المولدة، والأحاديث الموضوعة، والأسانيد المدخولة، وربما لا شاهد عليه إلا دعوى قائله، ولا مصدق له إلا من لا يوثق بمعرفته. وقد نصح لمن يتكلفون قراءة الكتب ومدارسة العلم، أن لا يقفوا على الكلمة الضعيفة، واللفظة السخيفة، وعلى مواضع من تآليفه قد عرض له شيء من استكراه، ويقول لمن هذا حاله: لو جعل بدل شغله بقليل ما يرمي من المذموم، تنقله بكثير ما يرى من المحمود، كان ذلك أشبه بالأدب المرضي، والخيم الصالح، وأشد مشاكلة للحكمة، وأبعد من سلطان الطيش، وأقرب إلى عادة السلف وسيرة الأولين، وأجدر أن يهب اللّه تعالى له السلامة في كتبه، والدفاع عن حجته، يوم مناضلة خصومه، ومقارعة أعدائه.

تعوذ باللّه في كل موطن من فتنة القول وخلطه، ومن الإسهاب وتقحم خطته وأكد

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت