فهرس الكتاب

الصفحة 388 من 489

الخلفاء من بني هاشم من عيوب رجالهم وعمالهم مالا يعرفه كثير من خبراء الدولة في عصر، وقصاراه الإغضاء اضطرارًا لا اختيارًا، فهو يوجه نقده إلى الكثرة الغامرة من الأمة، عسى أن يكون بصلاحها صلاح الدولة. ولا يؤخذ من هذا أن الجاحظ صانع رجال الدولة، ولو كان يحاول ذلك، ولا يحسن مقدار قبح هذه الصفة لاعتذار عنهم في اكثر ما تم على أيديهم، وأيدي أتباعهم من الشرور والمظالم، ولأقام لهم الأعذار، وهو يعدم حجة، ولا يقصر في بلاغة، بيد أنه رأى الإغضاء وإسدال الستر على ما هنالك، وانطلق يضرب فيمن ينالون من السلطان بما اختار لقيام أمره من أجناس غير عربية أغضبت العرب، وبمن يكيدون من الشعوبيين أعداء العرب، وهواه أبدًا مع بني هاشم، زينهم في عينه كونهم أصحاب السلطان. وهو القائل: وقضية واجبة أن الناس لا يصلحهم إلا رئيس واحد، يجمع شملهم ويكفيهم ويحميهم من عدوهم ويمنع قويهم عن ضعيفهم، وقليل له نظام أقوى من كثير لا نظام لهم ولا رئيس عليهم. ثم إن قصوره قليل يوم يصح عزمه على ذكر خصومه لأنه يعد الكذب كبيرة، ويكره التزيد في كل شيء. فإذا موه موه بعقل، وإذا أحب قد يترك مجالًا لحفظ خط الرجعة كما يقول المعاصرون، لا يعمى عما ظهر من السيئات، وإن اضطرته الدواعي إلى إغماض الطرف عن تردادها.

تهكمه وتنادره:

قل في العارفين من الناس من تذوق الحياة بالمعنى الذي تذوقه الجاحظ. جد جدًا لم يبلغه غير أفراد في الآباد، وهزل هزلًا قوي به على معاودة الجد، فروج عن نفسه وعمن حف به وعاشره وقرأ كتبه. أدراك أن مرارة الحياة لا تحلو بعض الحلاوة بغير الدعابة والإحماض، ووقف على أسرار نفس الإنسان فحاول أن يلطف من شره الدنيا وشقائها. تعمد، وهو العليم بأن الضحك والإضحاك خلقا مع

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت