فهرس الكتاب

الصفحة 407 من 489

الجفوة، أو من جهة استحقاقه فيما زين له عمله أنه مقصر به في حقه، مؤخر عن رتبته، أو كان مبلغًا عنه مكذوبًا عليه، أو كان ذلك جائزًا فيه غير ممتنع منه، فإذا كانت ذنوبه من هذا الشكل، فليس يقف عليها كريم، ولا ينظر فيها حليم، ولست أسميه بكثرة معروفة كريمًا، حتى يكون عقله غامرًا لعلمه، وعلمه غالبًا على طباعة، كما لا اسميه بكف العقاب حكيمًا، حتى يكون عارفًا بمقدار ما أخذ وترك، ومتى وجدت الذنب بعد ذلك لا سبب له إلا البعض المحض، والنفار الغالب، فلو لم ترض لصاحبه بعقاب دون قعر جهنم لعذرك كثير من العقلاء، وصوب رأيك عالم الأشراف. والأناة أقرب من الحمد، وأبعد من الذم، وأنأى من خوف العجلة، وقد قال الأول: عليك بالأناة، فإنك على إيقاع ما تتوقعه أقدر منك على رد ما قد أوقعته. وليس يصارع الغضب أيام شبابه شيء إلا صرعه، ولا ينازعه قبل انتهائه إلا قهرهن وإنما يحتال له قبل هيجه، فمتى تمكن واستفحل، وأذكى ناره وأشعل، ثم لاقى من صاحبه قدره، ومن أعوانه سمعًا وطاعة، فلو استبطنته بالتوراة، وأوجرته بالإنجيل، ولددته بالزبور، وأفرغت على رأسه القرآن إفراغًا، وأتيته بآدم شفيعًا، لما قصر دون أقصى قوته. ولن يسكن غضب العبد، إلا ذكره غضب الرب. فلا تقف، حفظك الله بعد مضيك في عتابي التماسًا للعفو عني، ولا تقصر عن إفراطك من طريق الرحمة بي، ولكن قف وقفة من يتهم الغضب على عقله، والشيطان على دينه، ويعلم أن للكرم أعداء، ويمسك إمساك من لا يبرئ نفسه من الهوى، ولا يبرئ الهوى من الخطأ، ولا تفكر أن تزل، ولعقلك أن يهفو. فقد زل آدم ص وقد خلقه بيده. ولست أسألك إلا ريثما تسكن نفسك، ويرتد إليك ذهنك، وترى الحلم وما يجلب من السلامة وطيب الأحدوثة. والله يعلم وكفى به عليمًا. لقد أردت أن أفديك بنفسي في مكتباتي، وكنت عند نفسي في عداد الموتى وفي حيز الهلكى، فرأيت من الخيانة لك، ومن اللؤم في

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت