فهرس الكتاب

الصفحة 483 من 489

مبتدعة، وشريعة متبعة، وأعد لكل صالحة من الفساد حالا، وقرن لكل خلة من المكروه خلالا، وبيان ذلك، جعلني الله فداك، أنه كان يقنع من معارضته الإلفين، بتفرق ذات البين، فقد انثنى ممنونا فيك بجميع ما أوغره، وما أطويه من البلوى منك أكثر مما أنشره، وأحسبني قد ظلمت الدهر بسوء الثناء عليه، وألزمته جرما لم يكن قدره بما يحيط به وقدرته ترتقي أليه، ولو أنك أعنته وظاهرته، وقصدت صرفه وآزرته، وبعتني بيع الخلق، وليس فيمن زاد، ولكن فيمن نقص، ثم أعرضت عني إراض غير مراجع، واطرحتني اطراح غير مجامل، فهلا وجدت نفسك أهلا للجميل حين لم تجدني هناك، وأتعذب من جل ما عقدت من غير جريمة، ونكثت ما عهدت من غير جريرة، فأجبني عن واحدة منهما، ما هذا التغالي بنفسك، والتعالي على صديقك، ولم نبذتني نبذ النواة، وطرحتني طرح القذاة، ولم تلفظني من فيك، وتجني من حلقك؟ وأنا الحلال الحلو البارد العذب، وكيف لا تخطرني ببالك خطرة، وتصيرني من أشغالك مرة، فترسل سلاما غ لم تتجشم مكاتبة، وتذكرني فيمن تذكر إن لم تكن مخاطبة، وأحسب كتابي سيرد عليك فتنكره حتى تثبت، ولا تجمع بين اسم كاتبه وتصور شخصه حتى تتذكر، فقد صرت عندك ممن محا النسيان صورته من صدرك، واسمه من صحيفة حفظك، ولعلك أيضا تتعجب من طمعي فيك وقد وليت، واستمالتي لك وقد أبيت، ولا عجب فقد ينفجر الصخر بالماء الزلال، ويلين من هو أقسى منك قلبا فيعود إلى الوصال، وآخر ما أقوله أن ودي وقف عليك، وحبس في سبيلك، ومتى عدت إليه وجدته غضا طريا، فجربه في المعاودة فإنه في العود أحمد.

وهذه الرسالة كما ترى من رسائله المسجوعة والمرسلة معًا، وبأدنى تأمل يدرك المتمعن فيها أن ابن العميد لما اطرح في آخرها السجع جود وأبدع، وكان في أولها لا يعدو أسلوب الصاحب بن عباد وأبي بكر الخوارزمي والصابي من أهل

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت