فهرس الكتاب

الصفحة 273 من 489

شهرته العلمية زهوًاَ وغرورًا، ولا يتكلف التواضع ولا التخاشع، وبغيته الكبرى أن يرفق بالضعاف حتى يقووا، وبالجهلاء حتى يتعلموا؛ يحاسن الكبراء من دون إسفاف، ويجتنب مخاشنتهم تفاديًا من شرهم وعتوهم، ويحلم عن الأشرار طبعًا وتطبعًا، ويبتعد عن الحاسدين والمتوترين؛ ولا يضجر ولا يضطرب؛ متزن إذا أزم، معتدل إذا حاور؛ لا يحسد ذا نعمة على نعمته، ولا ذا سلطان على نفوذ إرادته.

فلج الجاحظ وأصيب بالنقرس في شيخوخته، فدخل عليه المبرد في آخر أيامه وهو عليل، فسأله عن حاله فقال: كيف يكون من نصفه مفلوج، لو نشر بالمنشار لما أحس به، ونصفه الآخر منقرس، ولو طار الذباب بقربه لآلمه، والأمر على ذلك أني قد جاوزت التسعين وأنشد:

أترجو أن تكون وأنت شيخ ... كما قد كنت أيام الشباب

لقد كذبتك نفسك ليس ثوب ... دريس كالجديد من الثياب

ودخل عليه جماعة يومًا بسر من رأى يعودونه وقد فلج، فلما أخذوا مجالسهم أتاه رسول المتوكل فقال: وما يصنع أمير المؤمنين بشق مائل، ولعاب سائل؟ ثم أقبل عليهم فقال: ما تقولون في رجل له شقان أحدهما لو غرز بالمسال ما أحسن، والشق الآخر يمر به الذباب فيغوث وأكثر ما أشكوه الثمانون؟

ومع هذا ظل الجاحظ يسلي نفسه بالتأليف على النحو الذي جرى عليه أيام الكهولة والشباب. فعوضته الطبيعة في شبابه عن جمال الوجه بجمال العم وجلاله، وأعاضته في شيخوخته عن جودة الصحة صحة العقل. مات الجاحظ في سنة 255 قيل إن وقعت عليه مجلدات العلم، فمات في الذي أحبه وبحر فيه طول حياته. قالوا وكان من عادته أن يضعها قائمة، كالحائط محيطة به وهو جالس إليها، فسقطت عليه. مات في البصرة لا في بغداد، بدليل ما رواه أبن المهلبي عن

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت