يقول: اللسان البليغ والشعر الجيد، لا يكادان يجتمعان في واحد، وأعسر من ذلك أن تجتمع بلاغة الشعر وبلاغة القلم. وكان يقول: سياسة البلاغة أشد من البلاغة؛ كما أن التوقي على الدواء أشد من الدواء. وقال: بلاغة الإنسان رفق، والعي خرق، وكان كثيرًا ما ينشد قول شتيم بن خويلد:
ولا يَشْعَبون الصدع بعد تفاقم ... وفي رفق أيديهم لذي الصدع شاعب
وقال: لا يقدم على الخطبة إلا اثنان فائق أو مائق، أما الفائق فثقته بنفسه تنفي عن كل خاطر يورث الحجل والانقطاع، وأما المائق فإنه لا يبالي أخطأ أم أصاب. وقال: لو أن رجلين خطبا أو تحدثا، أو احتجا أو وصفا، وكان أحدهما جليلًا بهيًا، ولبيبًا نبيلًا، وذا حسب شريفًا، وكان الآخر قليلًا قميئًا، وباذ الهيئة دميمًا، وخامل الذكر مجهولًا، ثم كان كلاهما في مقدار واحد من البلاغة، وفي وزن واحد من الصواب، لتصدع عنهما الجمع، وعامتهم تقضي للقليل الدميم، على النبيل الجسيم، وللباذ الهيئة على ذي الهيئة، ولشغلهم التعجب منه على مساواة صاحبه له، ولصار التعجب منه سببًا للعجب به، ولكان الإكثار في شأنه، علة للإكثار في مدحه، لأن النفوس كانت له أحقر، ومن بيانه أيأس، ومن حدة أبعد، فإذا هجموا منه على ما لم يكونوا يحتسبونه، وظهر منه خلاف ما قدروه، تضاعف حسن كلامه في صدورهم، وكبر في عيونهم، لأن الشيء من غير معدنه أغرب، وكلما كان أغرب، كان أبعد في الوهم، وكلما كان أبعد في الوهم، كان أظرف، وكلما كان أظرف، كان أعجب، وكلما كان أعجب، كان أبدع؛ وإنما ذلك كنوادر كلام الصبيان وملح المجانين، فإذا ضحك السامعين من ذلك أشد، وتعجبهم منه أكثر.
والناس موكلون بتعظيم الغريب، واستطراف البعيد، وليس لهم في الموجود الراهن، وفيما تحت قدرتهم من الرأي والهوى، مثل الذي معهم في الغريب القليل،