معذرة فيما موه فيه، فقد نفسه بأن أرضى الأتراك، ونفع دولته بأن أهذأ الأفكار الثائرة، وبضع صفحات من كلام الجاحظ أفعل في الناس من عشرات من رسائل غيره وخطبهم، وهذا سر تمسك رجال الدولة به والضن بصداقته.
عالج بما رأى مسألة تكاثر الأتراك في الجيش، وربما أحنق لثنائه على الترك نفوس بعض العرب عليه، وهكذا اقتضت سياسة دولته وأمته. وعالج أيضًا مسألة سياسية أخرى، عنينا مسألة الشعوبية من العجم أعداء العرب، وقد رأى التناحر بين الفرقين يؤدي إلى انقسام المملكة على نفسها، إذا فسد تركيب الجيش، وإذا فسد تركيب الأمة، فهب بما أوتيه من حكمة يقاتل الشعوبيين، ويصغر من شأنهم، ويرفع نمن قدر العرب، وما غايته من ذلك إلا خدمة الدعوة العباسية، ويقول في الطعن عليهم: واعلم أنك لم تر قومًا أشفى من هؤلاء الشعوبية، ولا أعدى على دينه، ولا أشد استهلاكًا لعرضه، ولا أطول نصبًا، ولا أقل غنمًا من أهل هذه النحلة. وقد شفى الصدور منهم طول جثوم الحسد على أكبادهم، وتوقد نار الشنآن في قلوبهم، وغليان تلك المراجل الفائرة، وتسعر تلك النيران المضطرمة.
حاربهم في البيان والتبيين، وحاربهم في كتاب الموالي والعرب، وحاربهم في رسالة النابتة، وربما في مواضع أخرى لم تنته إلينا من أقواله، وحارب الموالي لكراهته العصبية التي هلك بها عالم بعد عالم، والحمية التي لا تبقي دينًا إلا أفسدته، ولا دنيا إلا أهلكتها، وهو ما صارت إليه العجم من مذهب الشعوبية، وما قد صار إليه الموالي من الفخر على العجم والعرب قال: وليس أدعى إلى الفساد، ولا أجلب للشر من المفاخرة. . . وأي شيء أغيظ من أن يكون عبدك يزعم أنه أشرف منك، وهو مقر أنه صار شريفًا بعتقك إياه.
فالجاحظ لم يتلكأ عن خدمة الدولة في مداواة هذين الجرحين النغارين في جسم المملكة، ناقش من يتنازعون في صميم الجيش، ويتنازعون في صميم الأمة،