المصلحة، وقسط أجزاء المثوبة على العزيمة والرخصة، وعلى الإعلان والتقية، فأمر بالمداراة، كما أمر بالمبادأة، وجوز المعاريض، كما أمر بالإفصاح، وسوغ في المباح، كما شدد في المفروض، وجعل المباح جمامًا للقلوب، وراحة للأبدان، وعونًا على معاونة الأعمال، فصار الإطلاق كالحضر والصبر كالشكر، وليس للإنسان من الخيرة في الذكر شيء إلا وله في النسيان مثله، ولا في الفطنة شيء إلا وله في الغفلة مثله، ولا في السراء شيء إلا وله في الضراء مثله، ولو لم يرزق الله العباد إلا بالصواب محصًا، وبالصدق صرفًا، وبمر الحق صفحًا، لهلك العوام، وانتقض أمر الخواص، ولو ذكر الإنسان كل ما أنسيه لشقي، ولو جد في كل شيء لانتكث، وقد يكون الذكر إلى الهلكة سلمًا، كما يكون النسيان للسلامة سببًا. وسبيل المزاح والجد كسبيل المنع والبذل، وعلى ذلك مجرى جميع القبض والبسط. فهذا وما قبله جمل أقاويل القوم.
أبان أبو عثمان بهذه الصفحة عن رأيه في الهزل والجد، وفي مواطن استعمالهما وذكر آراء غيره في ذلك، وما ندري إن كانت حقيقة آراءهم أم هو تصور أنها آراؤهم فأوردها بهذه الصيغة، ونسجها هذا النسج. اعتاد الإنسان المزاح والتنادر والمرح، ولكن إدخال ذلك في هذا القالب العلمي وتدوينه بالتأليف مما لم يعرفه قبل الجاحظ غير أفراد، إن لم تكن هذه الطريقة من مبتكراته مباشرة فهو منظم شؤونها، ومطرز نصوصها ومتونها.
قال أن أهل العلم والنظر، وأصحاب الفكر والعبر، وأرباب النحل، والعلماء وأهل البصر بمخارج الملل، وورثة الأنبياء، وأعوان الخلفاء، يكتبون كتب الظرفاء والملحاء، وكتب الفراغ والخلعاء، وكتب الملاهي والفكاهات، وكتب أصحاب الخصومات، وكتب أصحاب المراء، وكتب أصحاب العصبية وحمية الجاهلية، لأنهم لا يحاسبون أنفسهم، ولا يوازنون بين ما عليهم ولهم، ولا يخالفون تصفح