فهرس الكتاب

الصفحة 421 من 489

الملوك، ممن أرادوا أن يكون في جملتهم الأجلاء والفضلاء، يستأثرون بهم دون جيرانهم، ويزينون بهم ملكهم، أو يستخدمونهم ليعينوهم على قيام أمرهم، أو يختارون طبقة من الأدباء والشعراء، ينادمونهم ويمدحونهم، ويخلدون مآثرهم، ويعظمون مفاخرهم، فيعتزون بهم عند القريب والغريب، والبغيض والحبيب. فكانت في هذه السبيل تجاري بغداد كل من أصفهان وشيراز ونيسابور وهمذان والري وسمرقند وبلخ وحلب والقاهرة وقرطبة.

وتنوعت المذاهب التي غلبت على البلاد، فكان أهل البصرة قدرية وشيعة وحنابلة، وبغداد تؤوي جميع النحل وفيها غالبة يحبون معاوية، ومشبهة وهم أصناف كثيرة، ويهود إقليم الجبال أكثر من نصاراها، ومجوسها كثير، والمجوس أصحاب زارادشت، المعظمون للنار وسائر الأنوار، بقيت منهم بقية مهمة إلى هذا القرن في العراق والأهواز وفارس وأصبهان وخراسان وغيرها من مملكة الفرس قبل الإسلام. ولكل بلد من بلاد العجم طرز يخالف الطرز الآخر، فمنها ما تجد فيه الغلبة للحنفيين، ومنها ما كانت حنابلته كثيرة، ومنها ما كانت شيعته غالبة، ومنها ما تغلب فيه أصحاب الحديث، وأكثر إقليم خوزستان معتزلة، وفي الأقاليم الأخرى شيعة وحنابلة وشوافع. والفتن كثيرًا ما تقع بين الحنابلة والشافعية في بغداد، أو بين السنة والشيعة في دار السلام، وبعض أصقاع فارس والجبال وما إليها، فيفني بعضهم بعضًا.

ولهذا اعتصم بعض العلماء والحكماء بأهداب التقية خشية العامة وجهلة السلاطين، فكان ما كان من تأليف المجالس السرية من الفلاسفة وأرباب العقول الكبيرة، وكان التوحيدي أحد أساطين تلك الحلبة حقبة من الزمن، والحركة الدائمة في الإفادة والاستفادة، والعقل الكبير والعامل الجبار، ملئت أيام حياته بغرائب، فكان عجبًا في نفسه ودرسه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت