فهرس الكتاب

الصفحة 270 من 489

بهما بيد أن الجاحظ كان يفضل أن يكون أميرًا وسط كتبه على الصورة التي لرأى عليها إسحاق بن سليمان، وقد دخل عليه في إمرته، فرأى السماطين والرجال مثولًا، كان على رؤوسهم الطير، ورأى فرشته وبزته، ثم دخل عليه وهو معزول، وإذا في بيت كتبه، وحواليه الأسفاط والرقوق والقماطر والدفاتر والمساطر والمحابر. قال الجاحظ: فما رأيته قط أفخم ولا أنبل ولا أهيب ولا أجزل منه في ذلك اليوم، لأنه جمع مع المهابة المحبة، ومع الفخامة الحلاوة، ومع السؤدد الحكمة.

منذ ابتعد الجاحظ عما يستهوي من المظاهر انتهت ايام ضائقته لما اشتهر بين العالمين قدره، وتحامي الخلفاء لما يعرف من بطشهم إذا غضبوا، على ما لا يوازي أفضالهم إذا رضوا. ولما قبض على الوزير محمد بن عبد الملك الزيات في خلافة المتوكل، وكان الجاحظ في أسبابه وناحيته منحرفًا عن أحمد بن أبي داود، وهرب الجاحظ فقيل له: لِمَ هربت؟ قال: خفت أن أكون ثاني اثنين إذ هما في التنور. يريد بذلك ما صنعوا بابن الزيات من إدخاله تنورًا فيه مسامير محماة. وذكروا انه لما قتل ابن الزيات حمل الجاحظ مقيدًا من البصرة، وفي عنقه سلسلة وعليه قميص سَمَل؛ فلما دخل على ابن أبي داود عاتبة عتابًا فاحشًا. فقال الجاحظ: خفض عليك أيدك الله، فوالله لأن يكون لك الأمر عليّ خير من أن يكون لي عليك، ولأن أسيء وتحسن، أحسن في الأحدوثة من أن أحسن وتسيء، ولأن تعفو عني في حال قدرتك، أجمل بك من الانتقام مني، فعفا عنه وصدّره في مجلسه.

مذهبه وأخلاقه:

يعدّ الجاحظ من الطبقة السابعة في المعتزلة، وفي هذا المذهب ربي وعليه نشأ، وعنه ناضل وله ألّف؛ وقد خالف أصحابه في مسائل طفيفة، فسميت فرقته

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت