كتاب البخلاء، وأمعن النظر فقط في أقوال الكندي، وحيل من يستأجرون الدور وأخلاقهم وتلاعبهم، تدرك قوة الجاحظ على الإبانة في شؤون الحياة. وانظره في رسالته مدح النبيذ وصفة أصحابه، يدلي إليك بحججه في المدح، وحججه في الذم، ثم يحكي لك ولا يبالي أن حذاق الملوك وأصحاب العنايات التامة، احتاجوا أن يداووا نفوسهم بالسماع الحسن، وإذا حرك الدم حرك طباع السرور، ثم لا يزال وائدًا في مكيال الدم، زائدًا في الحركة المولدة للسرور قال: هذه صفة الملوك وعليه بنوا أمرهم، جهل ذلك من جهله وعلمه من علمه. تأمل قوله جهل ذلك من جهله وعلمه من علمه، فإن فيه صنعة وينطوي على معان كثيرة. كتب رسالة النبيذ إلى صديقه الحسن بن وهب، ومما قال في مدح النبيذ أنه إذا تمشى في عظامك، والتبس بأجزائك، ودب في جنانك، منحك صدق الحس، وفراغ النفس، وجعلك رخي البال، خلي الذرع، قليل الشواغل، قرير العين، واسع الصدر، فسيح الهم، حسن الظن، ثم سد الحراسة، وألم الشفقة، وخوف الحدثان، وذل الطمع، وكد الطلب، وكل ما اعترض السرور وأفسد اللذة، وقاسم الشهوة، وأخل بالنعمة، وهو الذي يرد الشيوخ في طبائع الشبان، ويرد الشبان في نشاط الصبيان، وليس يخاف شاربه إلا مجاوزة السرور إلى الأشر، ومجاوزة الأشر إلى البطر، ولو لم يكن من أياديه ومننه، ومن جميل آلائه ونعمه. إلا أنك مادمت تمزجه بروحك، وتزاوج بينه وبين دمك، فقد أعفاك من الجد ونصبه، وحبب إليك المزاح والفكاهة، وبغض إليك الاستقصاء والمحاولة، وأزال عنك تعقد الحشمة، وكد المروءة، وصار يومه جمامًا لأيام الفكرة، وتسهيلًا لمعاودة الروية، لكان في ذلك ما يوجب الشكر ويطنب الذكر، وبالفن الذي حواه هذا الملام حبب تعاطي النبيذ حتى لمن لا يتعاطاه.
وأنت إذا نظرت إلى رسالته في القيان تراه إذا وصف لك الوجه الحسن تكاد