فهرس الكتاب

الصفحة 294 من 489

ومخارج ألفاظها، فإنك إن غيرتها بأن تلحن في إعرابها، وأخرجتها مخرج كلام المولدين والبلدين، خرجت من تلك الحكاية وعليك فضل كبير. وكذلك إذا سمعت بنادرة من نوادر العوام، وملحة من ملح الحشوة والطغام، فإياك أن تستعمل فيها الإعراب، وأن تتخير لها لفظًا حسنًا، أو تجعل لها من فيك مخرجًا سريًا، فإن ذلك يفسد الإمتاع بها، ويخرجها من صورتها، ومن الذي أريدت له ويذهب استطابتهم إياها واستملاحهم لها وهو يرى أن النبيل لا ينتبل كما أن الفصيح لا يتفصح، لأن النبيل يكفيه نبله عن التنبل، والفصيح تغنيه فصاحته عن التفصح، ولم يتزيد أحد قط إلا لنقص يجده في نفسه.

ووضع القاعدة الكلية لطالب البلاغة فقال له: وقد علمنا أن من يقرض الشعر ويتكلف الإسجاع، ويؤلف المزدوج، ويتقدم في تحبير المنثور، وقد تعمل في المعاني، وتكلف إقامة الوزن، والذي تجود به الطبيعة وتعطيه النفس سهوًا رهوًا، مع قلة لفظه وعدد هجائه - أحمد أمرًا، وأحسن موقعًا من القلوب، وأنفع للمستمعين من كثير خرج بالكد والعلاج، ولأن التقدم فيه، وجمع النفس له، وحصر الفكر عليه، لا يكون إلا ممن يحب السمعة، ويهوى الفلج والاستطالة.

تخوف الجاحظ من فساد كبير بدأ يعرض لبلاغة هذه اللغة، عندما شرعت العرب بنقل كتب العلوم القديمة إلى العربية، وقد شاهد النقلة ضعافًا في البيان، وأقرب إلى الركاكة في الألفاظ وسبكها، حتى أفسدوا المعاني وأبهموها فعميت على الناس، وكان يعتقد أن هذه العلوم لا يفهمها في الحقيقة إلا من عاناها مهما تأنق ناقلوها في نقلها. قال: إن كتاب المنطق لو قرئ على جميع خطباء الأمصار وبلغاء الأعراب، لما فهموا كثره، وكذلك كتاب أقليدس، وهو عربي وقد صفي، لو سمعه بعض الخطباء لما فهمه، ولا يمكن أن يفهمه من يريد تعلمه، لأنه يحتاج إلى أن يكون قد عرف جهة الأمر، وتعود اللفظ المنطقي الذي استخرج من جميع الكلام.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت