مقام مقال، ولكل صناعة شكل.
ذلكم رأي الجاحظ في وضع الألفاظ مواضعها في التأليف. وكلامه فيه غني عن الشرح والتعليق، هو لا يدعوك في وضع القاعدة التي سنها لك، إلا أن تتدبر ما قال، وتعمل به في اختيار اللفظ الموافق، أما المعاني فقد قال إن حكمها خلاف حكم الألفاظ، لأن المعاني مبسوطة إلى غير غاية، وممتدة إلى غير نهاية، وأسماء المعاني مقصورة معدودة، ومحصلة محدودة. وهنا روى عن غيره: قال بعض جهابذة الألفاظ ونقاد المعاني: القائمة في صدور العباد، المتصورة في أذهانهم، والمتخلجة في نفوسهم، والمتصلة بخواطرهم، والحادثة عن فكرهم، مستورة خفية، وبعيدة وحشية، ومحجوبة مكنونة، وموجودة في معنى معدومة، لا يعرف الإنسان ضمير صاحبه، ولا حاجة أخيه وخليطه، ولا معنى شريكه، والمعادن له على أموره، وعلى مالا يبلغه من حاجات نفسه إلا بغيره. وإنما تحيا تلك المعاني في ذكرهم لها، وإخبارهم عنها، واستعمالهم إياها، وهذه الخصال هي التي تقربها من الفهم، وتجليها للعقل، وتجعل الخفي منها ظاهرًا، والغائب شاهدًا، والبعيد قريبًا. وهي التي تلخص الملتبس، وتحل المتعقد، وتجعل المهمل مقيدًا، والمقيد مطلقًا، والمجهول معروفًا، والوحشي مألوفًا، والغفل موسومًا، والموسوم معلومًا. وعلى قدر وضوح الدلالة، وصواب الإشارة، وحسن الاختصار ودقة المدخل، يكون إظهار المعنى، وكلما كانت الدلالة أوضح وأفصح، وكانت الإشارة أبين وأنور، كان أنفع وأنج. والدلالة الظاهرة على المعنى الخفي، هو البيان الذي سمعت الله تبارك وتعالى يمدحه ويدعو إليه ويحث عليه، وبذلك نطق القرآن، وبذلك تفاخرت العرب وتفاضلت، وأصناف العجم.
وقال: من علم حق المعنى أن يكون الاسم له طبقًا، وتلك الحال له وفقًا، ويكون الاسم له لا فاضلًا ولا مفضولًا، ولا مقصرًا ولا مشتركًا ولا مضمنًا، ويكون مع