ولا نرى ختم هذا الفصل قبل أن نشير إلى أن الجاحظ كان صريحًا في أدبه، لا يبالي تشدد المتزمتين، يسمي الأشياء بأسمائها، ورغم أنف من رضي وكره، فأدبه، والحالة ما ذكرنا، الأدب الواقع على ما يدعوه المعاصرون، أي نقل الطبيعة كما هي، أو كما يظن أن ترى، مع ما فيها من بشاعة وابتذال؛ ولهذا الأدب في دهرنا من أهل الغرب أدباء مشهورون عانوه في كتبهم، وما عبئوا بمصطلح مجتمعهم.
وكان كثير من المؤلفين العرب، ومن المشهود لهم بالتقوى والفضل، يسيرون على نهج أبي عثمان في ذلك، ومنهم خصمه اللدود جاحظ أهل السنة ابن قتيبة، فقد قال في مقدمة عيون الأخبار: وإذا مر بك حديث فيه إيضاح بذكر عورة أو فرج، أو وصف فاحشة، فلا يحملنك الخشوع أو التخاشع على أن تصعر خدك، وتعرض بوجهك فإن أسماء الأعضاء لا تؤثم، وإنما المأثم في شتم الأعراض، وقول الزور والكذب، وأكل لحوم الناس بالغيب. قال ولم أترخص لك في إرسال اللسان بالرفث على أن تجعله هجيراك على كل حال، وديدنك في كل مقال، بل الترخص مني فيه حكاية تحكيها، أو رواية ترويها، تنقصها الكناية، ويذهب بحلاوتها التعريض وأحببن أن تجري في القليل من هذا على عادة السلف الصالح، في إرسال النفس على السجية، والرغبة بها عن لبسة الرياء والتصنع.
وأبان الجاحظ عن منزعه في الأدب الواقع بقوله: وبعض الناس إذا انتهى إلى ذكر. . .، ارتدع وأظهر التعزز، واستعمل باب التورع، وأكثر من تجده كذلك، فإنما هو رجل ليس معه من العفاف والكرم والنبل والوقار إلا بقدر هذا الشكل من التصنع، ولم يكشف قط صاحب رياء ونفاق إلا عن لؤم مستفحل، ونذالة متمكنة. وبعد فلو لم يكن لهذه الألفاظ مواضع لما استعملها أهل هذه اللغة، وكان الرأي أن لا يلفظ بها.