فهرس الكتاب

الصفحة 368 من 489

الأيام والدهور من البنيان، لأن البناء لا محالة يدرس، وتعفى رسومه، والكتاب باق يقع من قرن إلى قرن ومن أمة إلى أمة. فهو أبدا جديد، والناظر فيه مستفيد وهو أبلغ في تحصيل المآثر من البنيان والتصاوير.

وكانت العجم تجعل الكتاب في الصخور، ونقشًا في الحجارة، وخلقة مركبة في البنيان، فربما كان الكتاب هو الناتئ، وربما كان هو المحفور، إذا كان ذلك تاريخًا لأمر جسيم، أو عهدًا لأمر عظيم، أو موعظة يرتجي نفعها، أو إحياء شرف يريدون تخليد ذكره، كما كتبوا على قبة غمدان، وعلى باب القيروان، وعلى باب سمرقند، وعلى عمود مأرب، وعلى ركن المشقر، وعلى الأبلق الفرد، وعلى باب الرها. يعمدون إلى المواضع المشهورة، والأماكن المذكورة، فيضعون الخط في أبعد الموضع من الدثور، وأمنعها من الدروس، وأجدر أن يراه من مر به، ولا ينس على وجه الدهر. ولولا الحكم المحفوظة، والكتب المدونة، لبطل أكثر العلم، ولغلب سلطان النسيان سلطان الذكر، ولما كان للناس مفزع إلى موضع استذكار. ولو لم يتم ذلك لحرمنا أكثر النفع. ولولا ما رسمت لنا الأوائل في كتبها، وخلدت من عجيب حكمتها، ودونت من أنواع سيرها، حتى شاهدنا بها ما غاب عنا، وفتحنا بها كل مستغلق، فجمعنا إلى قليانا كثيرهم، وأدركنا ما لم ندركه إلا بهم، لقد بخس حظنا منه. وأهل العلم والنظر، وأصحاب الفكر والعبر، والعلماء بمخارج الملل وأرباب النحل، وورثة الأنبياء، وأعوان الخلفاء، يكتبون كتب الظرفاء والصلحاء، وكتب الملاهي، وكتب أعوان الصلحاء، وكتب أصحاب المراء والخصومات، وكتب السخفاء وحمية الجاهلية. ومنهم من يفرط في العلم أيام خموله، وترك ذكره وحداثة سنه. انظر إلى في هذا المجال. وهذه المقدمة تشعر بأن هذا الكتاب أو معظمه هو من قلم الجاحظ أو جمعه بعضهم من كلامه وكلام غيره.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت