والرسائل والسيرة والخطب والخراج والأحكام، وسائر فنون الحكمة، وأنسبه إلى نفسي، فيتواطأ على الطعن فيه جماعة من أهل العلم، بالحسد المركب فيهم، وهم يعرفون براعته ونصاحته، وأكثر وما يكون هذا منهم، إذا كان الكتاب مؤلفًا لملك معه القدرة على التقديم والتأخير، والحط والرفع، والترهيب والترغيب، فإنهم يهتاجون عند ذلك اهتياج الإبل المغتلمة فإن أمكنتهم الحيلة في إسقاط ذلك الكتاب عند السيد الذي ألف له، فهو الذي قصدوه وأرادوه، وإن كان السيد المؤلف فيه الكتاب تحريرًا نقابًا ونقريسًا بليغًا، وحاذقًا فطنًا، وأعجزتهم الحيلة سرقوا معاني ذلك الكتاب وألفوا من أعراضه وحواشيه كتابًا، وأهدوه إلى ملك آخر، ومتوا إليه به، وهم قد ذموه وثلبوه. لما رأوه منسوبًا إلي وموسومًا بي. وربما ألفت الكتاب الذي هو دونه في معانيه وألفاظه، فأترجمه باسم غيري، وأحيله على من تقدمني عصره، مثل ابن المقفع والخليل وسلم صاحب الحكمة ويحيي بن خالد والعتابي، ومن أشبه هؤلاء من مؤلفي الكتب، فيأتيني أولئك القوم بأعيانهم، الطاعنون على الكتاب الذي كان أحكم من هذا الكتاب، لاستنساخ هذا الكتاب وقراءته علي، ويكتبونه بخطوطهم، ويصيرونه إمامًا يقتدون به ويتدارسونه بينهم، ويتأدبون به ويستعملون ألفاظه ومعانيه في كتبهم وخطاباتهم. ويروونه عني لغيرهم من طلاب ذلك الجنس، فتثبت لهم به رياسة يأتم بهم قوم فيه، لأنه لم يترجم باسمي، ولم ينسب إلى تأليفي.
هكذا سبر الجاحظ عقول حاسديه بمسبار علمه، وضحك وأضحك من لؤمهم وغبائهم، وأبت نفسه أن يحاورهم، وهو جد عارف بمقدار ما يكتب، وبما يرمي إليه من المقاصد في وضع أسفاره. ولطالما وطن نفسه على استماع سخف السخفاء أحكامهم المتجانفة عن الحق، قال: لأن كل من التقط كتابًا جامعًا، وبابًا من أمهات العلم مجموعًا، كان له غنمه، وعلى مؤلفه غرمه، وكان له نفعه،