من دون حياء على من كان في مثل قوة الجاحظ في تصديد لرد شبه المخالفين. أما أرباب العقول المستنيرة، المنزهون عن الأغراض في الحكم على الجاحظ، فقد كانوا يعدون ظهوره في ذاك العصر، عصر تسرب الشبهات والمجاذبات الدينية، نعمة عظيمة على الإسلام والمسلمين.
وأعرب من هذا دعوى بعض أصحاب الجرح والتعديل أن الجاحظ كان إذا روى حجج من يجادلهم من النصارى أوردها برمتها، وقصر عمدًا في رد أقوالهم تاركًا بعض النواحي الضعيفة في جوابه، وهو يرمي برواتيه مقالات المخالفين ثم نقضها إلى ينصف الخصم فيضع أمام الأنظار حججه، ثم ينقدها بتؤدة لا حدة بها ولا غضب، وقد يسخر ممن ينقده ويتهكم به، وبمن يقوله بقوله تهكم أدب وتهذيب. ورسالته في الرد على النصارى تنادي بأفصح لسان أن خصومه ظلموه وما أنصفوه. وما كان لمؤلف أن يضع تأليفه ليرضى به حتى المتعنتين، ومراض العقول وأصحاب الأهواء. ولولا أن الجاحظ كان الحجة الثبت في هذا الموضوع بين علماء عصره، وما حثه الفتح ابن خاقان الوزير العالم على التعجيل بتأليف رده على النصارى. وهمك من رجل، وناهيك من عالم، وشرعك من صدوق إن جادل أفحم، وإن ألف كان الأعلم والأحكام.
أجاب الجاحظ بعض من شنعوا عليه لنقله كلام المخالفين ثم تفرغه للرد عليهم بقوله: وعبتني بحكاية قول العثمانية والضرارية، كما سمعتني أقول: قالت الرافضة والزيدية، وهلا كنت عندك من الغالية لحكايتي حجج الغالية، كما بالتشيع لحكايتي، وهلا كنت عندك من الغالية لحكاييي حجج الغالية كما كنت عندك من الناصبة لحكايتي قول الناصبة. وقد حكينا في كتابنا قول الإباضية والصفرية، كما حكينا قول الأزارقة والزيدية. وعلى هذه الأركان الأربعة بنت الخارجية وكل اسم سواها فإنما هو فرع ونتيجة، واشتقاق منها ومحمول عليها، وإلا كنا عندك من