واللين، والغضب والرضى، والمعالجة والأناة، الناظر في أمر يومه وغده وعواقب أعماله. قال الملك للغراب: بل برأيك وعقلك ونصيحتك ويمن طالعك كان ذلك، فإن الرأي الرجل الواحد العاقل الحازم أبلغ في هلاك العدو من الجنود الكثيرة من ذوي البأس والنجدة والعدو والعدة.
42 -ينبغي للعاقل أن لا يغفل عن التماس ما في نفس أهله وولده وإخوانه وصديقه، عند كل أمر وفي كل لحظة وكلمة، وعند القيام والقعود وعلى كل حال، فإن ذلك كله يشهد على ما في القلوب. وقد قالت العلماء: إذا دخل قلب الصديق من صديقه ريبة فليأخذ بالحزم في التحفظ منه، وليتفقد ذلك في لحظاته وحالاته، فإن كان ما يظن حقًا ظفر بالسلامة، وإن كان باطلًا ظفر بالحزم ولم يضره ذلك.
43 -ومنه: إنما ضربت لك هذا المثل لتعلم أنك إذا غدرت بصاحبك فأنت لا شك بمن سواه أغدر، وأنه إذا صاحب أحد صاحبًا وغدر بمن سواه، فقد علم صاحبه أنه ليس عنده المودة موضع، فلا شئ أضيع من مودة تمنح من لا وفاء له، وحباء يصطنع عند من لا شكر له، وأدب يحمل إلى من لا يتأدب به ولا يسمعه، وسر يستودع عند من لا يحفظه، فإن صحبة الأخيار تورث الخير، وصحبة الأشرار تورث الشر، كالريح إذا مرت بالطيب حملت طيبًا، وإذا مرت بالنتن حملت نتنًا.
44 -قال الملك: لا خير في من لا يستطيع الإعراض عما في نفسه حتى ينساه ويهمله، فلا يذكر منه شيئًا، ولا يكون له في نفسه موقع؛ قال فنزة: أن الرجل الذي في باطن قدمه أن هو حرص على المشي، فلا بد أن تنكأ قرحته، والرجل الأرمد العين إذا استقبل بها الريح تعرض لأن تزداد رمدًا، وكذلك الواتر إذا دنا من الموتور فقد عرض نفسه للهلاك. ولا ينبغي لصاحب الدنيا إلا توفي المهالك والمتالف، وتقدير الأمور وقلة الاتكال على الحول والقوة، وقلة الاغترار بمن لا