أشد من سكر الخمر. وقلتم قد لزم الحث على الحقوق، والتزهيد في الفضول، حتى صار يستعمل ذلك في أشعاره بعد رسائله، وفي خطبه بعد سائر كلامه؛ فمن ذلك قوله في يحي ابن خالد:
عدو تلاد المال فيما ينوبه ... ممنوع إذا ما منعه كان أحزما
ومن ذلك قوله في محمد بن زياد:
وخليقتان تقي وفضل تحرم ... وإهانة في حقه المال
وعبتموني حين زعمت أني أقدم المال على العلم، لأن المال به يغاث العالم، وبه تقوم النفوس قبل أن تعرف فضيلة العلم، وأن الأصل أحق بالتفضيل من الفرع، وأني قلت وإن كنا نستبين الأمور بالنفوس، فإنا بالكفاية نستبين، وبالخلة نعمى؛ وقلتم كيف تقول هذا وقد قيل لرئيس الحكماء، ومقدم الأدباء، العلماء أفضل أم الأغنياء؟ قال بل العلماء. قيل فما بال العلماء يأتون أبواب الأغنياء، أكثر مما يأتي الأغنياء أبواب العلماء؟ قال: لمعرفة العلماء بفضل الغنى، ولجهل الأغنياء بفضل العلم. فقلت: حالها هي القاضية بينهما، وكيف يستوي شئ ترى حاجة الجميع إليه، وشئ يغنى فيه بعضهم عن بعض؟
وعبتموني حين قلت أن فضل الغنى على القوت، إنما هو كفضل الآلة تكون في الدار، إن احتج إليها استعملت، وإن استغني عنها كانت عدة. وقد قال الحصين بن المنذر: وددت إن لي مثل أحد ذهبًا، لا أنتفع منه بشئ، قيل فما ينفعك من ذلك؟ قال: لكثرة من يخدمني عليه. وقال أيضًا: عليك بطلب الغني، فلو لم يكن لك فيه إلا أنه عز في قلبك، وشبهة في قلب غيرك، لكان الحظ فيه جسيمًا، والنفع به عظيمًا.
وختم كتابه في أنه لن يبدل من خلقه في الشح، وفي الدعوة إلى تزيينه للناس، وأورد جملًا لجماعة من المشهورين بالعقل، وذكر جماعته في ختام حديثه بما