وعبتني بكتاب الأوفاق والرياضات، وما القول في الأرزاق والإنفاقات، وكيف تجرد التجار الحرفاء، وكيف الاحتيال للودائع؛ وبكل ما كتبت إلى إخواني وخلطائي من مزج وجد، ومن إفصاح وتعريض، ومن تغافل وتوقيف، ومن هجاء لا يزال ميسمه باقيًا، ومديح لا يزال أثره ناميًا، ومن ملح تضحك ومواعظ تبكي. وعبتني برسائلي الهاشميات واحتجاجي فيها، واستقصائي معانيها وتصويري لها في أحسن صورة، وإظهاري لها في أتم حيلة. وزعمت أني قد خرجت بذلك من حد المعتزلة إلى حد الزيدية، ومن حد الاعتدال في التشيع والاقتصاد فيه، إلى حد السرف والإفراط فيه؛ وزعمت أن مقالة الزيدية خطيئة مقالة الرافضة، وأن مقالة الرافضة خطيئة مقالة الغالية. وزعمت أن في أصل القضية والذي جرت عليه العادة أن كل كبير فأوله صغير، وأن كل كثير فإنما هو قليل جمع إلى قليل. . . .
وأنت ترى أن ذاك العائب لأبي عثمان لم يبق له كتابًا لم يعبه بتأليفه، وأن كان بلغ من إحكامه شوطًا بعيدًا، ثم عاد فقال: وعبت كتابي في خلق القرآن، كما عبت كتابي في الرد على المشتبهة، وعبت القول في أصول الفتيا والأحكام، كما عبت كتابي في الاحتجاج لنظم القرآن، وغريب تأليفه وبديع تركيبه، وعبت معارضتي للزيدية، وتفضيل الاعتزال على كل نحلة، كما عبت كتابي في الوعد والوعيد، وكتابي على النصراني واليهودي، ثم عبت جملة كتبي في المعرفة، والتمست تهجينها بكل حيلة، وصغرت من شأنها، وحططت من قدرها، واعترضت على ناسخيها والمنتفعين بها، فعبت كتاب الجوانات، وكتاب المسائل، وكتاب أصحاب الإلهام، وكتاب الحجة في تثبيت النبوة، وكتاب الأخبار، ثم عبت إنكاري بصيرة غنام المرتد، وبصيرة كل جاحد وملحد، وتفريقي بين اعتراض الغمر، وبين استبصار الملحد، وعبت كتاب الرد على الجهمية في الإدارك، وفي