فهرس الكتاب

الصفحة 320 من 489

ما ركبه الإنسان، ثم يفعلون ذلك بأطفال لا ذنب لهم ولا دفع عندهم، ولا نعرف قومًا يعرفون بخصاء الناس حيث ما كانوا إلا ببلاد الروم والحبشة، وهم في غيرهما قليل وأقل قليل، على أنهم لم يتعلموا إلا منهم، ولا كان سبب في ذلك غيرهم. . .

لا جرم أن فن الجاحظ بحسن تصويره، لا يترك مجالًا لأن يدعي عليه القارئ أقل قصور، يصور لك كالمصور المبدع بالعبارة، وقد يبسطها أو يقبضها، ويصور بالإشارة، وبالشاهد والواقع، حتى لا تخرج من كلامه إلا وقد عبت أمورًا تخيل إليك أنك سحرت، لما عمر به صدرك وقلبك بما أملى عليك. ومن أهم ما في الجاحظ من صنعة أن كلامه قليل الاستعارات والكنايات والمجازات والتشبيهات، لا يأخذ منها إلا بقدر معلوم عند الحاجة، لأن صفاء ديباجته، ونصاعة معانيه، لا يحوجانه إلى الاستعانة بما يبرقش به جمله. والقوي في امتلاك ناصية الكلام في غنية عن هذه التهاويل والزخرف. والطلاء ينصل، وإن حسن في العين للنظرة الأولى، والعبرة بما تحته من التاقطيع والقسامة. وليس معنى هذا أنه أسقط الكتابة والاستعارة والمجاز والتمثيل جملة، فإنها الأقطاب التي تدور البلاغة عليها كما قال عبد القاهر، وهي التي نوه بذكرها البلغاء، ورفع من أقدارها العلماء، وصنفوا فيها الكتب حتى صار الكلام فيها نوعًا من العلم مفردًا خصوصًا الاستعارة والمجاز. وخصلة أخرى وهي أن الجاحظ ليس من أرباب الخيال الواسع ولا الضيق، هو خليق أن يعد في جماعة المحسوسات أرباب الفلسفة الحسية، ولذلك كان تبريزه في النثر. أما شعره فلا يتعدى حد الحكاية، وتصوير حال وحدث، ولطالما تناشده وتذوقه.

للجاحظ فصول كثيرة تحله المحل الأرفع من الإبداع في تصويره، ومقامه في وصفه لا يقل عن مقامه في الحكاية والرواية. انظر إلى حكاياته ورواياته في

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت