يزال نشاطه زائدًا، ومنى خرج من آي القرآن صار إلى الأثر، ومتى خرج من أثر صار إلى خبر، ثم يخرج من الخبر إلى شعر، ومن الشعر إلى نوادر، ومن النوادر إلى حكم عقلية، ومقاييس شداد، ثم لا يترك هذا الباب، ولعله أن يكون أثقل، والملال إليه أسرع، حتى يفضي به إلى مزح وفكاهة، وإلى سخف وخرافة، ولست أراه سخفًا، إذ كنت إنما استعملت سيرة الحكماء، وآداب العلماء، ورأينا الله تبارك وتعالى إذا خاطب العرب والأعراب، أخرج الكلام مخرج الإشارة والوحي والحذف، وإذا خاطب بني إسرائيل أو حكى عنهم جعله مبسوطًا، وزاد في الكلام، فأصوب العمل اتباع آثار العلماء، والاحتذاء على مثال القدماء، والأخذ بما عليه الجماعة. وقوله هذا في نسق تأليف القرآن من أبدع ما اهتدت إليه قوة مفكرة.
قال أبو علي الحسن بن داود: فخر البصرة بأربعة كتب: كتاب البيان والتبيين للجاحظ، وكتاب الحيوان له، وكتاب سيبويه، وكتاب العين للخليل. وزعم بعض علماء الإفرنج أن يعد كتابًا في طبائع الحيوان، وجوابنا لمن ادعي هذه الدعوى أن ما حققه الجاحظ في صنوف الحيوان قبل غيره من العرب والعجم كاف بأن يعد السابق المبرز في هذا الفن، والشعر الكثير الذي نقله لا يزري بما كتب، وهو يملي على الناس روح عصره. كتب الجاحظ كتابه أوائل القرن الثالث من الهجرة، والعلم كما قال ريشه لم يتجاور عمره من فرنكلين إلى أنشتين أكثر من مائة وخمسين سنة. وفي كتابه خلاصة من الشعر الجيد، وأجمل الحكايات والنوادر، ومنها ما كان من نوع الآداب الواقع، وهناك أمتع الفوائد الأدبية والمسائل الدينية، وأجمع من هذا كلامه على أجناس الحيوان. وما كتب ما كتب فيه إلا عن تجربة وعيان، وفيه كلام على الناس وبلادهم وهوائهم وأمزجتهم وعاداتهم إلى غير ذلك مما لا يظفر به باحث في كتاب واحد. فإتيان الغرائب والطرائف ومعها شاهد من كتاب منزل، أو حديث مأثور، أو خبر مستفيض، أو شعر معروف، أو مثل